وتحفل المنصات بأكلات معروفة تحولت تمامًا لتقدم بأشكال لافتة بعد إضافة أو تغيير لمكون من مكوناتها، حيث يعاد تدوير طبق اللقيمات ليصير تشيز كيك اللقيمات، ومقلوبة الأرز الذي استبدل الإيدام العادي «دجاج كان أم لحمًا» بشرائح البرغر ليتحول إلى مقلوبة البرغر.
ولم تنج حتى الأكلات العالمية من التعديلات والتحديثات، ولعل أبرزها «كيكة السوشي»؛ التي ظهرت بتسويق شديد في الميديا، ومع أن السوشي اسم يوحي بطبق ياباني فاخر، إلا أنه ظهر بشكل مختلف بعد أن أعيد ترتيبه في قالب دائري وقطّع كما لو كان كعكة احتفالية.
ترند جديد
أعادت الظاهرة التي انتشرت عبر مقاطع قصيرة وصور جذابة، طرح سؤال قديم بثوب جديد: هل نحن أمام تطوير إبداعي في المطبخ، أم مجرد إعادة تسمية تسويقية تمنح الأطباق الشعبية والعالمية جواز مرور إلى «الترند»؟ خاصة مع التحولات الغريبة التي طالت ثقافة المطابخ سعوديا وعربيا.
شواهد على التغيير
طبق «كيكة السوشي» كما ظهر في المقاطع المتداولة، لا يبتعد كثيرًا عن مكونات السوشي المعروفة: أرز متبل بالخل، طبقة من الجبن الكريمي، شرائح سلمون أو تونة، خيار أو أفوكادو، وأحيانًا صوص حار أو سمسم للتزيين.
الاختلاف الجوهري ليس في المكونات، بل في الشكل؛ إذ تُرص الطبقات في قالب دائري وتُقلب لتُقدّم كأنها كيكة، تُقطّع إلى مثلثات وتُقدّم في مناسبات منزلية.
والطريف أن البعض من مرتادي منصات التواصل كانت لهم تعليقات تندر ظريفة عن هذا التحول من ذلك «ليست كيكة.. إنها سوشي قرر أن يحتفل بعيد ميلاده!».
«كيكة السوشي» ليست حالة منفردة. فمواقع التواصل شهدت خلال الأشهر الماضية أمثلة متعددة، منها:
• لازانيا البطاطس: شرائح بطاطس مرصوصة مع دجاج أو لحم وجبن، لكنها تُقدّم بطبقات تشبه اللازانيا الإيطالية.
• برغر المقلوبة: شرائح البرغر التقليدية مضغوطة داخل طبقات الأرز بشكل مقلوب
• تشيزكيك اللقيمات: لقيمات مرصوصة في قالب البسكويت ومغطاة بصوص جبن كريمي
• سلطة الهريس: ظهرت الهريس على غير العادة المتعارف عليها كطبق من الهريس المصفوف بالدهن بل تم سلق حبات الهريس وتصفيتها لتكون مكونًا أساسيًا في طبق من السلطة.
وهو ما أشارت إليه حكيمة أحمد، المهتمة بتوثيق الأكلات الشعبية، لافتة إلى أن المكونات في معظمها بسيطة ومألوفة، لكن التقديم المختلف يمنحها هوية بصرية جديدة، ويضاعف فرص انتشارها.
بين التسويق والإبداع
توضح حكيمة، أن ما يحدث يعكس «تحول المطبخ إلى مساحة عرض بصرية»، موضحة أن الجمهور اليوم «يأكل بعينيه قبل أن يتذوق بلسانه»، وهو ما يدفع صناع المحتوى إلى ابتكار أشكال تقديم لافتة حتى لو ظلت المكونات تقليدية.
من جانبها، ترى سكينة السادة - مالكة لمشروع حلويات - أن تغيير المسميات يمنح الأطباق فرصة جديدة للحياة، وتقول «عندما نسمي الطبق اسمًا أجنبيًا، أو نقدمه بقالب غير مألوف، فإننا لا نغيّر طعمه بقدر ما نغيّر صورته الذهنية».
وعللت التغيير في المسميات؛ المتابع لما يُنشر في السوشال ميديا يلاحظ أن التغيير الطارئ على مسميات الأطباق وأشكال تقديمها يعود إلى عدة أسباب محتملة:
1. السعي للانتشار: حيث إن الاسم اللافت يزيد احتمالية التفاعل والمشاركة.
2. التسويق المنزلي والمشاريع الصغيرة: فالملاحظ أن الاسم الجديد قد يبرر سعرًا أعلى أو يمنح المنتج طابعًا عصريًا.
3. التجديد وكسر الروتين: إعادة تقديم الأطباق المعروفة بطريقة مختلفة يمنحها جاذبية متجددة.
4. تأثير الثقافة العالمية: مزج المحلي بالعالمي يعكس انفتاح الذائقة الغذائية.
دعابة أم طمس هوية
في جانب آخر، تعتقد فاطمة الداوود - من الأسر المنتجة - أن «هذه الظاهرة تفتح نقاشًا أوسع حول علاقة المجتمع بموروثه الغذائي. بين من يرى في «كيكة السوشي» أو تشيز كيك اللقيمات مجرد دعابة عصرية، وبين من يتخوف من طمس الهوية التقليدية للأطباق»، لكنها عادت مستدركة «أكثر ما يثير القلق هو هل سيبقى الاسم القديم صامدًا أمام موجة التغريب اللفظي والشكلي؟».
وأردفت «قد يرحب بعضهم بالتجديد معتبرًا أنه دليل حيوية ثقافية، لكني أرى أن الإفراط في إعادة التسمية قد يفصل الجيل الجديد عن المسميات الأصلية».
وأكملت «لن استغرب لو شهدنا «قالب الثريد» و«كيكة الهريس» مستقبلًا؛ منوهة أن «المخيلة الشعبية لم تتأخر في التفاعل؛ ويكفي أن تتصفح التعليقات في منصات التواصل الاجتماعي لتجد نفسك أمام هذه التساؤلات التي تقول: هل سنرى قريبًا «كيكة الهريس» تُخبز في قالب سيليكون؟ أو «قالب الثريد» يُقدّم بشرائح هندسية دقيقة؟ وربما «سوشي الكبسة» بلفائف محشوة بالأرز واللحم؟»
ورغم الطرافة، إلا أن الاتجاه العام يشير إلى أن شكل التقديم قابل للتغيير أكثر من المكونات نفسها. فالهوية تبقى في الطعم، بينما يتجدد الشكل بحسب مزاج المنصة والجمهور.
بين الملعقة والكاميرا
تكمل الداود «يبدو أن المطبخ لم يعد مساحة للطهي فحسب، بل مسرح بصري تُدار فيه معركة «اللايك» والمشاركة، منوهة إلى أن مكونات الطبق قد لا تتغير، لكن زاوية التصوير، واسم الوصفة، وطريقة التقطيع، كفيلة بأن تنقله من طبق يومي عادي إلى نجم على منصة رقمية. ولا أعلم حقيقةً هل نحن أمام موجة عابرة من التندر الغذائي، أم تحول طويل الأمد في ثقافة تقديم الأكل، ولكن الأكيد أن «الترند» اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من الموروث.. وربما نعتاد يومًا ما على طلب «شريحة من كيكة الكبسة» دون أن نبتسم.