بداية فإن هذه خطوة عملاقة من كلية ما زالت تحبو مقارنة بالعديد من كليات العمارة الأخرى في المملكة، وهي بداية تنبئ بحراك معماري لهذه الكلية الواعدة، مما سيكون له بالغ الأثر في إثراء التنمية العمرانية إقليميًا ودوليًا، والعمارة منها بوجه خاص.
وكأي فعالية عن العمارة، أو أي منشط ثقافي آخر، وما أن تنتهي الفعالية إلا ويبدأ طرح الكثير من الأسئلة والنقاشات وتبادل الرؤى والأفكار حول كل محاضرة، فالحديث عن العمارة والعمران لا ينتهي بفعالياتها بل إنه يبدأ بها. ونظرًا لعلو كعب الأسماء المشاركة في هذه السلسلة فإنه من الصعب تلخيص مجمل أعمال هؤلاء الرواد، ناهيك عن نقدها في مقال واحد نظرًا لغزارة أعمالهم واختلاف المدارس المعمارية التي ينتمون إليها.
لعل عنوان المقال هنا يلخص كثيرا من واقع الحال لدينا. إذ إن عمارتنا الراهنة في عالمنا العربي والإسلامي ما زالت تبحث عن حداثتها. وبتعدد المدارس والتوجهات المعمارية، وعندما تتداخل المفاهيم وتكثر المصطلحات ويتشتت المشهد، يصبح من الضروري التوقف مليًا أمام المشهد العمراني لدينا برمته وتأمله لفهمه كأوضح ما يكون. وإذا ما أضيفت خارطة العمارة السعودية إلى هذا المشهد عندها يصبح الوضع أكثر تعقيدا.
كانت العمارة في المملكة (المسماة تقليدية وهي لم تعد كذلك لأنها واقعيًا اختفت تمامًا) عمارة الاختيار الأوحد في ضوء المعطيات التي أنتجتها على كل المستويات، من مواد طبيعية غير مصنعة، إلى عمارة قرى وبلدات ما قبل الدولة، إلى وظائف مجتمعات قروية متنقلة في الأساس. لقد كانت عمارة اضطرار. والعمارة تعريفًا هي فعل اختيار وليست فعل ضرورة، وربما لهذا السبب تتراجع العمارات التقليدية في كل أرجاء العالم أمام زحف العمارة الحديثة وما بعدها.
عمارة أي بلد هي انعكاس لتاريخه، ونظرًا لسرعة الانتقال الحضري الذي شهدته مدن المملكة بعد الانتقال من عمارات أقاليم ومناطق متجاورة ومتفرقة جغرافيًا، إلى عمارة تحت مظلة الدولة الواحدة، ومن عمارة مزارعين وصيادي أسماك وتجار لؤلؤ ومربي ماشية، تغير المشهد تمامًا. هنا اختفت تدريجيًا العمارة التقليدية (انقرضت في الواقع) أمام السيل الجارف للعمارة الحديثة لأسباب موضوعية تمامًا. وهذا ليس حالنا فقط بل إن العالم برمته قد مر بتجارب مماثلة في موقفه من العمارة الحديثة، ولكل دولة تجربتها الخاصة مع طوفان الحداثة الذي اجتث ما قبله. وقد وصل الأمر ببعض الحكومات إلى معاداتها صراحة، كما فعلت ألمانيا النازية بأشهر مدارس الحداثة المعمارية في القرن العشرين عندما أغلقت مدرسة الباوهاوس في كل من ديساو وبرلين.
مشكلة المجتمعات المعاصرة اليوم وخصوصًا تلك التي ما زالت تبحث عن هوية خاصة بها ــ كما هو الحال لدينا ــ أنها تعيش في عصر الحداثة أو ما بعد الحداثة حتى الثمالة، لكنها حداثة الغرب وليست حداثة هذه المجتمعات ذاتها. هنا تقدح شرارة التعارض والتصادم في كل شيء، في الرؤى والمفاهيم حول جدلية الحداثة تلك وتجسدها معماريًا في نهاية المطاف.
وهنا يطرح السؤال الكبير نفسه: هل فعلا دخلنا معماريًا إلى طور العمارة الحديثة؟ هل فهمنا كمعماريين ونقاد وأكاديميين ومدراء تنفيذيين بل وكمطورين عقاريين العمارة الحديثة كما يجب، وهل بإمكاننا التعامل مع عمارة تفرض نفسها علينا دون فهم لها؟ لننظر فقط من باب تبسيط تشخيص المشكلة إلى مفهوم الفراغ (space) في كلا السياقين للعمارة التقليدية والحديثة. في الأولى منها لم يكن هناك شيء اسمه فراغ البتة، أما في الحديثة منها فإن الفراغ هو العمارة ذاتها. وماذا عن أنواع البناء؟ انظر إلى قلته في الأولى وكثرته في الثانية. وإذا لم يكن هذا كافيًا فانظر إلى مواد البناء والنسيج الحضري لكليهما لتتضح الصورة في البون الشاسع بين كليهما.
هذا لا يعني شطب إرث العمارة التقليدية تمامًا من الخارطة لأنه رغم بساطته ــ إن لم نقل بدائيته أحيانا ــ إلا أنه تراثنا وقد تجذر في مخيلة الكثير. غير أن هذا التراث يستلزم النظر إليه ضمن تيار الحداثة المتجددة لكل منطقة وإقليم في مملكتنا وعالمنا العربي والإسلامي على حدة. هذا هو موضوع مقال قادم إن شاء الله.