بدأت مع أولى ساعات مساء السبت الماضي عمليات إزالة مبان قديمة في موقع سوق الخميس القديم بمحافظة القطيف، وهو سوق شعبي، وذلك إيذانا ببداية فعلية لمرحلة جديدة من عمر هذا السوق، وذلك في خطوة تمهيدية لإعادة تشكيل الموقع وفق مخططات تطويرية حديثة، تعكس انتقال المشروع من طور التخطيط إلى التنفيذ الميداني على أرض الواقع.

وكانت بلدية القطيف أعلنت، خلال الأشهر القليلة الماضية، عن إطلاق مشروع إنشاء وتشغيل سوق الخميس الشعبي، على مساحة 24.463 مترًا مربعًا، ضمن رؤية تطويرية تستهدف تحويل السوق إلى وجهة تجارية وتراثية متكاملة.

وبحسب ما أوضحته البلدية عبر حسابها في منصة إكس، فإن المشروع سيضم محلات تجارية، ومساحات مخصصة للأعمال اليدوية، وصالة عرض أرينا القطيف، إضافة إلى مطاعم ومقاهٍ ومساحات خضراء تعزز من تجربة الزوار.


من فرص إلى التنفيذ

يمثل بدء أعمال الإزالة محطة متقدمة ضمن مسار المشروع، الذي طُرح سابقًا كفرصة استثمارية عبر منصة «فرص»، قبل أن يُستكمل بإجراءات الترسية وتسليم الموقع إلى الشركة المستثمرة.

وفي أكتوبر 2025، وُقّع عقد الاستثمار مع أمانة المنطقة الشرقية، لتتولى الشركة إنشاء وتشغيل السوق لمدة 25 عامًا، في إطار شراكة تهدف إلى إعادة إحياء أحد أبرز المعالم الاقتصادية والتراثية في المنطقة.

رؤية استثمارية بهوية محلية

بحسب الشركة المستثمرة، فإن السوق لن يكون مجرد إعادة بناء، بل إعادة تعريف لوظيفته ودوره.

ويستند المشروع إلى هوية القطيف العمرانية، مع دمج عناصر حديثة تتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، ويجري العمل على قدم وساق لإنهاء المشروع بحلول عام 2028، حيث سيتم التنفيذ على مرحلتين، تبدأ بالقطاع الخارجي، ثم تمتد إلى قلب السوق.

سوق أخضر

في بعدٍ بيئي، وصفت الشركة المستثمرة المشروع بأنه «استثمار أخضر»، حيث ستُخصص 60% من المساحة للمناطق الخضراء، مقابل 40% للمباني، بهدف تقليل درجات الحرارة وتحسين جودة البيئة.

كما سيعتمد السوق على الطاقة الشمسية لتوفير نحو 15% من احتياجاته الكهربائية، إلى جانب تصميم شبه مفتوح يتضمن مظلات متحركة تتكيف مع الظروف المناخية، مستفيدًا من طبيعة المنطقة المشمسة.

ذاكرة السوق

تاريخ سوق الخميس لا يُقرأ فقط من حاضره، بل من روايات امتدت لأكثر من قرن، فقبل أكثر من 200 عام وتحديدًا في عام 1819 للميلاد، وثّق الضابط البريطاني فوريستر سادلير مشاهداته للسوق خلال زيارته للقطيف، مسجلًا تنوع المنتجات من الأسماك واللحوم إلى الفواكه والخضروات، في صورة تعكس حيوية السوق كمركز تجاري رئيس.

وقد أعيد تقديم هذه المذكرات لاحقًا بترجمة عربية، فيما برز دور الباحث عدنان العوامي في توثيق هذا الإرث، وإعادة قراءة تفاصيل السوق ضمن سياقه التاريخي والاجتماعي، بما يعزز حضوره في الذاكرة المحلية.

وتكشف تلك التوثيقات عن سوق كان يعج بالحياة، تتوافر فيه الأسماك بحكم الموقع الساحلي، وتتنوع فيه المحاصيل الزراعية من الأرز والبطيخ إلى الحمضيات، ما جعله نقطة التقاء للتجار والمتسوقين من داخل القطيف وخارجها.

تحولات المكان

على مدى أكثر من 50 عامًا، تنقل السوق بين 3 مواقع، وتبدلت تركيبته التجارية، كما تغيّر موعد نشاطه من يوم «الخميس» إلى «السبت»، في انعكاس لتحولات اقتصادية واجتماعية أوسع شهدتها المنطقة الشرقية.

وبحسب ذاكرة المجتمع القطيفي وما نقله الباحث العوامي «قبل أن تُعيد الطفرة النفطية رسم ملامح المنطقة الشرقية، كان سوق الخميس يتوسط قرى قلب القطيف، كحلقة وصل نابضة بين القلعة، والمدارس، والشريعة، ومياس، والكويكب، والدبيبية». حيث لم يكن موقعه خارج أسوار تلك القرى عابرًا، بل منحَه دورًا مفتوحًا يحتضن الحركة التجارية والاجتماعية على حد سواء.

مركز تجاري

كان تجار القطيف وحرفيوها يعرضون بضائعهم في السوق، فيما يتوافد المتسوقون من مختلف أرجاء المحافظة، بل ومن خارجها، وصولًا إلى أبناء القبائل القادمة من صحراء الدهناء، في مشهد يعكس تنوعًا اقتصاديًا واجتماعيًا ثريًا.

ومع نشاط ميناء القطيف آنذاك، وحركة الاستيراد والتصدير، ترسّخ موقع السوق بوصفه مركزًا تجاريًا رئيسًا، بل يكاد يكون الأبرز في الساحل الشرقي، ومحركًا فاعلًا للاقتصاد المحلي في مراحله المبكرة.

ورغم التحولات المتسارعة التي شهدتها المنطقة لاحقًا، والتي أسهمت في تقليص دوره التقليدي، فإن سوق الخميس حافظ على حضوره التجاري، حتى بعد اندماج القرى في كيان حضري واحد، واتساع رقعة الأنشطة التجارية. ومع تطور مفهوم «السوق» من موقع محدد إلى شبكة من الشوارع التجارية المنتشرة، بقي السوق شاهدًا حيًا على مرحلة تأسيسية من تاريخ القطيف الاقتصادي والاجتماعي.

بداية لا نهاية

اليوم، ينظر إلى عملية التجديد على أنها بداية لإعادة إحياء، لا نهاية لحكاية، وحسب الشركة المستثمرة فإن المشروع الجديد لا يسعى فقط إلى بناء سوق حديث، بل إلى استعادة روح مكانٍ شكّل وجدان القطيف لعقود، وإعادة تقديمه للأجيال القادمة بصورة تليق بماضيه، وتواكب مستقبله.

سوق الخميس

ـ سوق شعبي في محافظة القطيف

ـ بدأت منذ السبت الماضي عمليات إعادة تشكيله وفق مخططات تطويرية حديثة

ـ يمتد مشروع إنشائه وتشغيله على مساحة 24.463 مترًا مربعًا

ـ المشروع يهدف لتحويله إلى وجهة تجارية وتراثية متكاملة.

ـ سيضم السوق محلات تجارية ومساحات مخصصة للأعمال اليدوية وصالة عرض ومطاعم ومقاهٍ ومساحات خضراء