أتذكر رهبة أول تجربة تسجيلية نقوم بها في الجامعة، وكيف كنا ننتظر أن يضيء الضوء الأحمر على الكاميرا لتبدأ اللحظة الحاسمة، لم يكن في قاموسنا شيء اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يخطر في بالنا أن يومًا ستُنتج حلقة كاملة دون أن يدخل إنسان واحد إلى الاستوديو، كنا نؤمن بأن الكاميرا تحتاج عينًا بشرية، وأن الميكروفون لا يأتمن إلا على صوت يحمل روحًا وحسًّا.
ولا أنسى تجربتي في العمل على مشروعات التاريخ الشفوي في مكتبة الملك فهد الوطنية، حين كنت أتنقل داخل الاستوديو بين الكاميرات، أضبط زواياها وأتأكد من جاهزيتها، ثم أنتقل إلى غرفة التحكم لأقف أمام جهاز الميكسر، أتابع المونيتر بعيون مشبعة بالتركيز، أعيش كل صورة وكل نغمة كما لو أن اللحظة تُسجّل أمامي على الحقيقة، شعرت بأن كل شيء يجب أن يكون في مكانه تمامًا، وأن اللحظة لا تحتمل أي هفوة، فكل تفصيل يحمل حياته الخاصة في المشهد، كانت لحظات تجمع بين التركيز العالي والشعور بالمسؤولية؛ لأن ما يُسجّل أمامك ليس مجرد مادة إعلامية، بل ذاكرة وطنية تُحفظ للأجيال.
تلك التفاصيل، وذلك الإيقاع البطيء والدقيق، هو ما يجعل المقارنة مع ما نعيشه اليوم أكثر وضوحًا، فحين أنظر الآن إلى المجال الإعلامي، يرتسم في نفسي شعور بالفرح ونحن نشهد هذا التحول الكبير في الإعلام، خطوة واضحة نحو المستقبل، الأدوات تغيّرت، وسرعة الإنجاز تغيّرت، وحتى فكرة الإنتاج نفسها لم تعد كما كانت، ما كان يتطلب فريقًا كاملًا وتجهيزات معقدة، أصبح اليوم ممكنًا عبر أدوات قادرة على توليد الصورة والصوت من فكرة مكتوبة.
أصبحت المسافة بين الفكرة والتنفيذ أقصر بكثير، وهذا منح الأفراد قدرة لم تكن متاحة من قبل، أي شخص يمكنه أن يصور، أن ينتج، أن ينشر، دون أن ينتظر موافقة أو ميزانية كبيرة، هذه مساحة واسعة للإبداع، وتفتح المجال لأصوات لم تكن تجد طريقها في السابق.
وفي خضم هذا التحول، يأتينا المؤتمر الدولي العاشر الذي تنظمه جامعة الملك سعود، ممثلةً في الجمعية السعودية للإعلام والاتصال، كمنصة مهمة لمناقشة أثر الذكاء الاصطناعي على الإعلام، واستكشاف الفرص التي يتيحها، والتحديات التي تواجه الإعلاميين، وطرق تكيف المهنيين مع هذا التحول الكبير، تحت عنوان «إعلام الذكاء الاصطناعي.. الفرص والتحديات»، يقدم المؤتمر مساحة للتأمل في التغيرات السريعة، وفهم دور الإعلامي داخل هذه التحولات، سواء في ضوء التجارب السابقة أو متابعة مستجدات النقاش والنتائج العملية.
ومع كل هذه الإمكانات، يبقى السؤال الذي لا يمكن تجاوزه: ما الذي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي وأدواته أن يفعله؟ لفهم ذلك، يمكن تخيّل موقف بسيط يتكرر كثيرًا أمام الكاميرا، ضيف يُطرح عليه سؤال، فيتردد قليلًا، يتوقف، ثم يجيب بإجابة مختصرة لا تعكس كل ما لديه، في هذه اللحظة، يتعامل الذكاء الاصطناعي مع ما هو ظاهر فقط؛ يلتقط الكلمات، يحللها، وقد يقترح سؤالًا مرتبطًا بها أو ينتقل مباشرة إلى السؤال التالي لأن التوقف يُفسَّر كفراغ في الحوار.
أما الإنسان، فيرى ما وراء الكلمات، قد يدرك أن التردد يحمل قصة لم تُروَ بعد، فيغيّر أسلوبه، أو يمنح الضيف مساحة، أو يختار الصمت للحظة ليشجعه على الاسترسال، هذا التفاعل لا يعتمد على قاعدة جاهزة، وإنما على إحساس بالموقف وفهم لطبيعة الشخص والسياق.
وفي غرفة التحكم، إذا ظهرت لحظة صمت قصيرة، قد تُحذف لتحسين الإيقاع، بينما يراها المخرج لحظة تحمل معنى فيُبقيها كما هي، وحتى في الإعداد، يمكن للذكاء الاصطناعي جمع المعلومات بسرعة واقتراح محاور دقيقة، لكنه لا يعرف متى يتوقف عن السؤال، ومتى يترك المساحة لعلاقة إنسانية أن تتشكل مع المصدر.
لهذا، الفرق ليس في القدرة على إنتاج المحتوى، وإنما في فهم اللحظة التي تمنح هذا المحتوى قيمته، التقنية تستطيع أن تنفذ وتسرّع وتسهّل، لكنها لا تعيش التجربة، ولا تدرك ما وراء الكلمات كما يفعل الإنسان، ما تعلمته في تلك السنوات، سواء في قاعات الدراسة أو داخل الاستوديو أو أثناء توثيق التاريخ الشفوي، لم يكن مجرد مهارات، وإنما تدريبًا على الفهم والانتباه وقراءة ما لا يُقال، وهو ما يميز الإعلامي الحقيقي.
ومن هنا، لا يبدو المشهد صراعًا بين الإنسان والتقنية، وإنما إعادة توزيع للأدوار، الأدوات الجديدة تختصر الوقت والجهد، وتفتح مساحات لم تكن ممكنة من قبل، بينما تبقى القيمة الحقيقية في يد من يعرف كيف يستخدمها، وكيف يضيف إليها فهمه وتجربته.
واليوم، كل إعلامي أمام مسؤولية واضحة: أن يتعلم هذه الأدوات دون أن يفقد حسّه، وأن يطوّر مهاراته دون أن يتخلى عن جوهره؛ لأن الإنسان لن يختفي من الإعلام، لكن دوره سيتغير، من تنفيذ التفاصيل إلى توجيهها وصناعة المحتوى بطريقة أسرع، من يدرك ذلك مبكرًا سيبقى حاضرًا، ومن يتجاهله سيجد نفسه خارج المجال دون أن يشعر.