في مشهد يختزل تعقيدات الحرب السودانية وتداعياتها السياسية والإنسانية، انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية في المناطق الخاضعة لسيطرة الجيش، في خطوة بدت أقرب إلى اختبار لقدرة الدولة على استعادة وظائفها الأساسية أكثر من كونها استحقاقا تعليميا اعتياديا. وبينما جلس أكثر من نصف مليون طالب وطالبة إلى مقاعد الامتحان داخل السودان وخارجه، تكشف المؤشرات الاقتصادية والإنسانية عن واقع أكثر قتامة، مع تضاعف معدلات الفقر إلى 70 في المائة، واتساع رقعة الجوع والنزوح، بما يعكس حجم الكلفة التي دفعتها البلاد منذ اندلاع الحرب.

اختبار الدولة

حملت انطلاقة امتحانات الشهادة الثانوية هذا العام دلالات سياسية واضحة، إذ حرصت السلطات السودانية على تقديمها بوصفها مؤشرا على استعادة الحد الأدنى من انتظام مؤسسات الدولة في المناطق التي يسيطر عليها الجيش. وشارك في الامتحانات 564 ألف طالب وطالبة، موزعين على 3333 مركزا داخل السودان وخارجه، من بينهم 156 ألفا في ولايةِ الخرطوم.


هذا الحضور العددي، إلى جانب الإشراف المباشر من المسؤولين المحليين ووزارة التربية والتعليم، يعكس مسعى رسميا لإبراز صورة الاستقرار النسبي، خصوصا في العاصمة التي كانت مسرحًا رئيسيا للاشتباكات خلال الأشهر الماضية. كما أن انعقاد الجلسة الأولى في مدرسة بحري الحكومية القديمة الثانوية للبنات يحمل بعدا رمزيا، يوحي بعودة الحياة المدنية تدريجيا إلى بعض مفاصل العاصمة.

جغرافيا الحرب

في المقابل، تكشف خريطة الامتحانات عن استمرار الانقسام السياسي والعسكري في البلاد. فبينما انطلقتِ الاختبارات في مناطق سيطرة الجيش، تقرر تأجيلها إلى يونيو في المناطق الخاضعة لهيمنة «قوات الدعم السريع»، في انعكاس مباشر لانقسام السلطة على الأرض.

كما تعذرَ جلوس نحو 280 ألف طالب وطالبة في ولايات دارفور الخمس وأجزاء من كردفان، ما يضع مستقبل شريحة واسعة من الطلاب رهينة تطورات المشهد الميداني. وتعهدتْ وزارةُ التربية والتعليم بتنظيم امتحانات بديلة في 13 ماي, المقبل، في محاولة لاحتواء آثار هذا التعثر والحفاظ على تكافؤ الفرص التعليمية.