تناديهم وتغويهم وفي النهاية تهلكهم، وتبعثرهم على رمالها. وعما قليل ستنفخ الريح وستذرو فوق الجثث أكوام الرمل. ستطمر أجسادهم. ولن يبقى أي شاهد عليهم إلا يدا مرفوعة في الهواء. صورة الفيلم الختامية - تتأهب أصابعها للإمساك بشيء ما. لعله الوطن. لعله الرجاء. لعله الجواب على سؤال اكتوت به حياتهم.. وتتعمق القوة التعبيرية للصحراء حتى تصبح الوجه المناقض للوطن. إنها الضياع، والعذاب، والطريق التي تفضي إلى الهزيمة النهائية. ولهذا تبدو حاضرة خلال الفيلم كله تترصد الأشخاص كالغواية، وتهيئ لهم الفاجعة كجواب وحيد على محاولة الفرار. الذين بلا وطن لا يستطيعون أن يفروا إلا باتجاه واحد. وكل الاتجاهات الأخرى مضللة ومهلكة كهذه الصحراء.
وقد استطاع توفيق صالح أن يؤكد هذا المعنى بقوة.. كما استغل ببراعة جزئيات العالم الكئيب الذي يختنق فيه الأشخاص، ليعمق رمز الصحراء، ويعطيه بعدا إضافيا من الواقع. فالبؤس، والعذاب اليومي، وتمزق العلاقات العائلية، والجوع، كل ذلك يتمازج مع الرمل القاحل، ولهيب الشمس، ليؤلف لوحة متكاملة للحياة بلا وطن. ومفهوم توفيق صالح عن الوطن متقدم وناضج، فهو ليس فكرة غنائية عن الطبيعة الجميلة وعطر بيارات البرتقال، بل هو إمكانية العمل والعيش والحرية والتقدم، لهذا فإنه يلح باستمرار على الوضع الاجتماعي للاجئين. على بؤسهم الاقتصادي واختناقهم السياسي، ليجسد لنا المعنى العميق لضياع الوطن، وليبرر بعدئذ فشل كل محاولات النجاة الفردية. ففي مثل هذه الأوضاع لا يستطيع أحد أن يدير ظهره، وأن يبحث عن خلاصه الشخصي. وحتى لو بدا ذلك عادلا ومفهوما. فإن المنطق التاريخي يفرض أن تخيب المحاولة، وأن تكون الهزيمة هي الكلمة النهائية. وعندما تتبعثر الجثث الثلاث على كثيب الرمل، يقدم الفيلم لوحة رائعة تكثف هذه الحتمية، وتنبهنا في الختام إلى أن «القضية» لا تزال حتى الآن معلّقة. يد مرفوعة في الهواء. تتوسل. تصرخ. تريد أن تمسك شيئا ما.
وعلى الرغم من أن توفيق صالح تحاشى أن يغوص في تعقيدات الأوضاع العربية وانعكاساتها على مشكلة هؤلاء الفلسطينيين، فإنه لم ينس على الإطلاق التفكير بهذه الأوضاع وعلاقتها المعقدة بالمشكلة المطروحة.
استخدم «فوتو مونتاج» وثائقيا، ذكرنا تقريبا بكل الظروف السياسية التي رافقت القضية الفلسطينية. كما تخير علاقات صغيرة تشير إلى الواقع الخارجي إيماء. فالسائق الذي ينقل أسعد من الأردن إلى العراق رجل حقير يخدعه، ويتركه في الطريق. والمهرّب في البصرة نموذج آخر للعالم الذي يتحرك فيه الأشخاص. وفي أول الفيلم يهبّ من شط العرب غناء عراقي مبلل بالحزن العتيق، كما أن الخاتمة الفاجعة يتلامح فيها موظفو الحدود الكويتية بخوائهم واستهتارهم الماجن..
طبعا هذه الإيماءات الصغيرة ليست كافية لتوضيح طبيعة العلاقة المعقدة التي تربط بين القضية الفلسطينية والأوضاع العربية. وهي لا تدعي ذلك.
لكنها إشارات لسد بعض النقص، وهي تغني لو كانت أكثر عن التشتت في موضوع شائك وكثير المزالق والمخاطر. لقد آثر توفيق صالح أن يحقق قدرا كبيرا من التركيز في عمله. ولهذا حصر اهتمامه في الأمثولة التي تقدمها مغامرة أبطاله. فالشيء الأساسي هو أن يصحبنا معهم في هذه الرحلة الشاقة التي تفضي إلى الموت. أن نحبهم، ونفهم عذابهم ثم نتعلم من موتهم. أن نتعلم. ذلك هو المهم. ولذا فإنه لا ينسى مطلقا الحفاظ على مساحة باردة تحميه من الانفعال والسقوط في الميلودرامية، وتحمينا من الاندماج الكامل الذي يمنعنا من التفكير وتأمل مصير هؤلاء الثلاثة، الذي هو بعض مصيرنا..
ويستخدم المخرج لتحقيق ذلك واقعية كثيفة ومليئة بالإيحاءات. تصل أحيانا إلى حد الفظاظة، وأحيانا أخرى تبلغ مستوى الرمز. وكل لقطة تقريبا تشكل وحدة مدروسة. كل جزئياتها منتقاة لتعطي جوا معينا، أو تخدم فكرة ما. ثم تتسلسل هذه الوحدات الصغيرة في سياق عام متماسك.
وقد يبدو أحيانا أن هناك كدا في اختيار جزئيات اللقطة وشحنها بالدلالات، الأمر الذي يفقد السياق بعض عضويته. لكن بما أن الفيلم «أمثولة»، فمن الطبيعي أن يكون للواقع المعطى جانب ذهني. ولعلّ ما يميّز توفيق صالح وهو واحد من أهم السينمائيين العرب وأكثرهم تميزا، أنه يحاول دائما في أفلامه تحليل واقعنا ونقده من خلال واقع ذهني ومكثف على مقاس رؤية فكرية لهذا الواقع. ذلك أيضا ما يفرق بين واقعيته في السينما وواقعية المخرجين الآخرين.
هذه محاولة سريعة للتعريف بفيلم «المخدوعون» الذي أخرجه توفيق لصالح المؤسسة العامة للسينما. فيلم بسيط وغني، وظف بشكل بارع إمكانياتنا المحدودة بشريا وتكنيكيا حتى يكاد المرء لا يحس أن هؤلاء الممثلين والفنيين حديثو العهد بالسينما وأن تجربتهم في هذا المضمار هزيلة.
1972*
كاتب ومسرحي سوري «1941 - 1997»