لا يبدو السعر المعلن للتأجير على بعض المنصات العقارية رقمًا ثابتًا بقدر ما يصبح في حقيقته فخًا لمسار تفاوضي مفتوح، يختلف فيه السعر النهائي الواقعي تمامًا عن المعلن عند المعاينة، وذلك نتيجة لممارسات أقل شفافية، تتداخل فيها مصالح ملاك، ووسطاء غير معلنين، ومستأجرين يجدون أنفسهم أمام سوق لا يعكس دائمًا ما يُكتب فيه، بل يؤكد أنه يتحرك داخل مساحة رمادية، كان لا بد من ضبطها أو تتبعها بدقة.

وبغية ضبط الإعلانات العقارية المضللة، وضعت هيئة العقار ضوابط جديدة للمنصات العقارية، تضمنت وجوب توثيق حسابات المعلنين عبر النفاذ الوطني، والربط التقني مع الهيئة العامة للعقار، وتحديث البيانات فوراً، وإزالة أي إعلان غير مرخص أو انتهت صلاحية ترخيصه، وتوفير صفحة مخصصة لاستقبال الشكاوى ومعالجتها.

ويهدف النظام إلى بناء سوق عقاري منظم، أكثر شفافية وكفاءة، ويعزز ثقة المستثمرين والمتعاملين، ووضع ضوابط دقيقة لعمل الوسطاء العقاريين، وتنظيم العلاقة بينهم وبين العملاء، بما يحفظ حقوق جميع الأطراف، وإلى الحد من العشوائية والممارسات غير النظامية، ويفتح الباب أمام حلول رقمية حديثة تُسهل عمليات البيع والشراء والتأجير.


إعلان بسعر وعقد بآخر

البداية غالبًا ما تبدو واضحة: إعلان بسعر محدد، صور لعقار متاح، وتفاصيل قياسية توحي بالشفافية. لكن بعض الباحثين عن سكن يؤكدون أن هذه البداية لا ترسم نهاية القصة.

يروي منصور البقمي، وهو أحد الباحثين عن شقة في شمال جدة، أنه تواصل مع صاحب إعلان واضح بسعر مناسب، وتم الاتفاق على موعد للمعاينة. لكن عند الوصول إلى الموقع، تغيّر المشهد بالكامل.

ويقول «ارتفع السعر بحجة وجود أكثر من مهتم بالعقار، وأن الوحدة أصبحت «قيد الطلب»، رغم عدم وجود أي إشارة مسبقة لذلك في الإعلان».

وتابع «ما قامت به هيئة العقار من تخصيص صفحة لتلقي الشكاوى قد يسهم في القضاء على التلاعب في الإعلانات العقارية. فالسعر يتحول من رقم ثابت إلى مساحة تفاوض مرنة، تتغير بحسب حجم الطلب اللحظي، ومدى إقبال المستأجرين، وهو ما يخلق حالة من عدم اليقين منذ اللحظة الأولى».

السوق لا يؤمن بالثبات

في المقابل، يقدم عبدالمطلب أحمد، وهو أحد ملاك العقارات في جدة، قراءة مختلفة لطبيعة السوق، ويرى أن ما يحدث لا يرتبط بالاستغلال بقدر ما يعكس ديناميكية العرض والطلب.

ويؤكد أن «تحديد الإيجار لا يتم بشكل عشوائي، بل بناء على حركة السوق وتغيراتها المستمرة».

ويوضح أن «بعض العقارات تُعرض بسعر معين، لكن مع زيادة الطلب أو ارتفاع الإقبال على المنطقة، يصبح تعديل السعر منطقيًا من وجهة نظر المالك، فالسوق لا يؤمن بالثبات، والجمود بالأسعار لا يكون واقعيًا في مدن تشهد توسعًا عمرانيًا ونموًا سكانيًا متسارعًا، مما يجعل الأسعار قابلة للتغير في فترات قصيرة».

سوق غير مرئي

الجانب الأكثر حساسية يظهر في شهادة وسيط عقاري فضل عدم ذكر اسمه، حيث يكشف عن طبقة غير مرئية من السوق تعمل خارج الإعلانات الرسمية، ويوضح «بعض العقارات لا تصل أصلًا إلى المنصات الإلكترونية، بل يتم تأجيرها عبر علاقات مباشرة أو شبكات وساطة غير معلنة. وفي بعض الحالات، يتم حجز الوحدة السكنية قبل طرحها للجمهور».

ويضيف «دور بعض الوسطاء لا يقتصر على عرض العقار، بل يمتد إلى توجيه المستأجرين نحو خيارات محددة، مما يقلل من شفافية الاختيار ويؤثر بشكل غير مباشر على الأسعار في بعض الأحياء».

ويشير إلى أن «السوق العقاري في جدة مثلا يعمل بشكل مزدوج: جزء ظاهر عبر المنصات الرقمية، وجزء آخر يتحرك داخل شبكات علاقات شخصية لا تُوثق رسميًا، مما يخلق تفاوتًا في الوصول إلى المعلومات الحقيقية حول الأسعار».

وسطاء غير رسميين

يشير الوسيط العقاري حامد فيصل إلى أن الوسطاء غير الرسميين، أو ما يُعرف محليًا بـ«السماسرة» يلعبون دورًا لافتًا في سوق الإيجارات، حيث يتحركون خارج الإعلانات والمنصات العقارية التقليدية، لكنهم في الوقت نفسه يملكون تأثيرًا مباشرًا على تدفق المعلومات واتجاهات الطلب«.

ويضيف،»هؤلاء لا يظهرون عادة ضمن القنوات الرسمية، بل يعملون عبر علاقات شخصية ممتدة مع ملاك العقارات، أو مع شبكة من الباحثين عن سكن. وغالبًا ما تبدأ مهمتهم قبل وصول الإعلان إلى المنصات، إذ يحصل بعضهم على معلومات مبكرة حول الوحدات الشاغرة، أو حتى على صلاحية عرضها قبل طرحها للجمهور«.

ويكمل»آلية عملهم تقوم على الربط بين الطرفين: مالك يبحث عن مستأجر سريع، ومستأجر يبحث عن خيار متاح دون انتظار طويل أو منافسة عالية. لكن هذا الدور لا يتم بشكل مجاني في كثير من الحالات، إذ تشير شهادات في السوق إلى أن بعض هؤلاء الوسطاء يحصلون على عمولات أو نسب غير معلنة تُحتسب خارج الإطار الرسمي للعقود، وتُضاف أحيانًا بشكل غير مباشر إلى تكلفة الإيجار النهائية«.

ويوضح»هذا النموذج يخلق طبقة إضافية بين العرض والطلب، مما يجعل الوصول إلى العقار أقل شفافية. فالمستأجر قد لا يكون أمامه جميع الخيارات المتاحة فعليًا في السوق، بل فقط ما يمر عبر شبكة الوسيط أو ما يختاره له ضمن دائرة محددة«.

ويختم»يؤدي ذلك في بعض الحالات إلى تقليص نطاق الاختيار أمام الباحثين عن سكن، خصوصًا في الأحياء ذات الطلب المرتفع، حيث تصبح بعض الوحدات محجوزة أو متداولة داخليًا قبل ظهورها رسميًا. كما يُلاحظ أن وجود هذه الشبكات قد يسهم في رفع الأسعار بشكل غير مباشر، نتيجة تضييق العرض الظاهر مقابل الطلب المتزايد«.

ويختم»في المحصلة، يظل دور الوسطاء غير الرسميين عنصرًا مؤثرًا في تشكيل حركة السوق، ليس فقط من خلال تسريع عمليات التأجير، بل أيضًا عبر إعادة توزيع المعلومات والفرص بطريقة غير متساوية بين الأطراف«.

فجوة يخفيها الإعلان

يوضح نادر القحطاني أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار في الواقعي عن المعلن، بل تمتد إلى تذبذبها خلال فترة قصيرة. فالوحدة السكنية الواحدة قد تُعرض بأكثر من سعر خلال أسابيع قليلة، دون أي تغيير في المواصفات أو الموقع.

ويضيف»هذا التغير السريع يضع المستأجر في حالة من عدم الاستقرار، ويجعله يدخل عملية التفاوض وهو يدرك أن السعر الأولي ليس بالضرورة هو السعر النهائي، وأن السوق قابل للتغير في أي لحظة«.

ويكمل»هذا النمط يخلق فجوة بين ما هو معلن وما هو متاح فعليًا، مما يعزز الشعور بعدم وضوح قواعد التسعير في بعض الحالات«.

تباين الأحياء

يرى اقتصاديون أن سوق الإيجارات لا يتحرك في المدن كمنظومة واحدة، بل كعدة أسواق داخل المدينة الواحدة، ويؤكدون أن سوق الإيجارات في مدينة مثل جدة على سبيل المثال تتباين الإيجارات فيها بين أحياء تشهد ارتفاعًا سريعًا في الأسعار، وأخرى أكثر استقرارًا نسبيًا، بينما تتأثر مناطق معينة بمشاريع تطويرية أو كثافة سكانية أو حتى»سمعة الحي«في السوق العقاري.

ويشيرون إلى أن هذا التفاوت لا يخضع لمعيار موحد، بل يتشكل تدريجيًا وفق حركة العرض والطلب، إضافة إلى عوامل غير مباشرة مثل التفاوض الفردي، أو تداول المعلومات خارج القنوات الرسمية.

ورغم توسع المنصات الإلكترونية وازدياد التنظيم في القطاع العقاري، إلا أن جزءًا من التعاملات لا يزال يتم خارج التوثيق الكامل، سواء عبر تفاوض مباشر أو وسطاء أو اتفاقات غير مكتوبة بشكل تفصيلي.

المستأجر في قلب المعادلة

في نهاية هذه المنظومة، يبقى المستأجر الطرف الأكثر تأثرًا بهذه الديناميكية. فالتنقل بين مساكن متعددة خلال فترات قصيرة لم يعد أمرًا نادرًا لدى بعض الأسر، ليس نتيجة رغبة في التغيير، بل بسبب تقلبات مفاجئة في الأسعار أو شروط الإيجار عند التجديد.

هذه الحالة تعيد تشكيل مفهوم الاستقرار السكني داخل المدينة، وتضع المستأجر أمام سوق لا يمنحه دائمًا وضوحًا كافيًا لاتخاذ قرارات طويلة المدى.

لا يتعلق الأمر فقط بارتفاع أسعار الإيجارات، بل بنمط سوقي أكثر تعقيدًا، تتحرك فيه الأسعار بين الإعلان والتفاوض والوساطة، دون خط فاصل واضح بين ما هو معلن وما هو فعلي.

وفي ظل استمرار الطلب المتزايد على السكن في المدن الكبرى جدة، يبقى السؤال مطروحًا: هل نحن أمام سوق يحتاج إلى مزيد من التنظيم والشفافية، أم إن جزءًا من»المرونة غير المعلنة" سيظل عنصرًا ثابتًا في مشهد الإيجارات داخل تلك المدن.