ينتظر المزارعون في تهامة جازان اقتراب موعد زراعة «القُطن» الجازاني، وذلك بعد نحو شهرين تقريبًا، وذلك تزامنًا مع موسم الأمطار.

والقُطن الجازاني (نبات محلي يزرع في منطقة جازان (خريفًا) ويستخدم ثماره (سنوفه) الخضراء والجافة كغذاء (أدام) لذيذ مع الخمير والدقيق، كما تعد أوراق وأغصان النبات علفًا حيوانيًا)، تتم زراعته في تهامة جازان التي تلائمه تمامًا حيث تتلاقى مياه الأمطار الموسمية مع تربتها الغنية.

ويُعد القُطْن نباتًا من فصيلة الدِّجْر (اللوبيا)، ويؤكل مطبوخًا، وهو يحظى باهتمام واسع بين المزارعين، كونه أحد المحاصيل العريقة التي ما تزال تشكل جزءًا أساسيًا من الهوية الزراعية والموروث الغذائي للمنطقة، وتسهم في تعزيز الاستدامة الريفية والاقتصاد المحلي.


رطوبة وأمطار

يُزرع القُطْن في جازان منذ زمن بعيد، مستفيدًا من المناخ الاستوائي الرطب والأمطار الغزيرة التي تهطل في شهري أغسطس وأكتوبر.

يتميز بقدرته على النمو في الأراضي البعلية دون الحاجة إلى ري مكثف، مما يجعله خيارًا مثاليًا للزراعة التقليدية في تهامة جازان.

ومع مرور السنين، حافظ على مكانته كجزء لا يتجزأ من الحياة اليومية، إذ يجمع بين الاستخدام الغذائي للحبوب والاستخدام العلفي للأوراق والأغصان.

وهو يُعد رمزًا للتراث الشعبي الجازاني، إذ يربط بين الزراعة الموسمية والمطبخ التقليدي الغني بالنكهات الأصيلة في تهامة جازان.

تشابه واختلاف

يتشابه نبات القُطْن مع الدجر (اللوبيا) في انتمائهما إلى الفصيلة البقولية، إلا أنه يتميز بسنافه وقرونه الأصغر حجمًا بشكل ملحوظ، مما يجعله مختلفًا في طريقة الزراعة والحصاد والتحضير.

كما يختلف القُطْن اختلافًا كبيرًا عن شجرة القطن (التي يُستخرج منها القطن النسيجي).

وقد أُطلق اسم «القطن» أو «العطب» في بعض اللهجات والمصادر اللغوية القديمة على الشجرة التي يُستخرج منها الليف القطني، وهي شجرة مختلفة تمامًا عن نبات القُطْن الغذائي المنتشر في تهامة جازان.

من قلب الأرض

يقول المزارع محمد بن عواجي المدخلي إن القُطْن من النباتات التي تُزرع في جازان منذ زمن بعيد، حيث تُخلط بذوره مع بذور الحبوب البيضاء أو الحمراء، وتبدأ زراعته في موسم الخريف أو المخرط مع المذاري، مستفيدًا من مياه الأمطار الموسمية.

ويُفضَّل زراعته في الخُبوت والأراضي البعيدة عن الأودية لتجنب السيول، وتستمر دورة زراعته أربعة أشهر تقريبًا حتى يصل إلى مرحلة النضج الكامل.

مراحل الحصاد

يوضح«المدخلي» أن حصاد القُطْن يتم عند نضج الحبوب، حيث تُترك حتى تجف تمامًا، ثم تُخبط بالطريقة التقليدية.

ويضيف أن حبوب القُطْن المجففة تُباع في الأسواق الشعبية بكميات كبيرة خلال موسم الحصاد، مشيرًا إلى أن باقي النبات لا يُهدر منه شيء، إذ تُستخدم أوراقه وأغصانه كعلف طبيعي ممتاز للمواشي، ويُعد علف القُطْن من أجود الأعلاف للماشية.

ويصل سعر الكيس الواحد من حبوب القُطْن المجففة إلى 700 ريال، ويزن 70 كيلوجرامًا (أي 10 ريالات للكيلوجرام الواحد).

صوت الخبرة

بدوره، أكد المزارع حسن محاصي، خبير الزراعة البعلية، عضو منتدى مزارعي جازان، أهمية هذا المحصول في تعزيز الاستدامة الزراعية. وقال إن «القُطْن ليس مجرد محصول غذائي أو علفي، بل هو شريك حقيقي للمزارع في مواجهة التحديات البيئية، خاصة في المناطق التي تعتمد على الزراعة البعلية في تهامة جازان، فهو يتحمل الجفاف النسبي ويسهم في حفظ خصوبة التربة، مما يجعله خيارًا إستراتيجيًا للمزارعين في ظل التغيرات المناخية».

طرق التحضير التقليدية

تتنوع طرق تحضير القُطْن حسب تقاليد كل محافظة في تهامة جازان، مما يضفي تنوعًا لذيذًا على المائدة الجازانية.

ومن أبرزها: سلق الحبوب المجففة ثم تكشينها بالسمن البلدي أو السليط، ليُعرف الطبق باسم «القُطْن المكشَّن» الذي يُقدم عادة مع الخمير الطازج.

ولا يُفضَّل استخدامه كدُويل مشوي نظرًا لصغر حجم السنوف مقارنة بالدجر.

محصول متكامل

يُعد القُطْن محصولًا متكاملًا، إذ لا يقتصر على الغذاء البشري بل يوفر علفًا طبيعيًا غنيًا بالعناصر الغذائية للماشية، مما يساهم في دعم الاستدامة الزراعية والاقتصادية في تهامة جازان، وهو يعتمد على الموارد المحلية، ويحافظ على البيئة، ويعزز الترابط بين الإنسان والأرض والحيوان.