ظلّ فنّ القلطة أو المحاورة الشعرية واحدًا من أكثر الفنون الشعبية حضورًا في السعودية والخليج، بوصفه ميدانًا لاختبار الفطنة، وسرعة البديهة، وجمال الصورة الشعرية. وقد أرسى دعائمه شعراء فطاحلة حفظت لهم الذاكرة الشعبية مكانتهم الرفيعة، ومساجلاتهم الشعرية الماتعة؛ حتى غدت المحاورة جزءًا أصيلًا من الإرث الثقافي الذي تتناقله الأجيال.

كما حظي هذا الفن بدعم رسمي لافت، فنُظّمت له المسابقات والأمسيات في عدد من المهرجانات الوطنية الكبرى، كالمهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، ومهرجان ولي العهد للهجن بالطائف، إضافة إلى "محاورات موسم الرياض"، وفعالية "قاف الرياض" للمحاورات الشعرية.

واتسمت المساجلات الشعرية القديمة بقدرٍ عالٍ من الرمزية و"دفن المعنى"، فتأتي العبارات مواربة تحتمل أكثر من وجه، وتلك مهمة الجمهور الذي يحاول التقاط المقصود، بينما يبقى المعنى المؤكد -كما يقال- في بطن الشاعر، أو في قلبه كما يرى آخرون. ولهذا اكتسبت المحاورة قيمتها؛ إذ لم تكن مجرد تبادل كلمات، بل مساحة لاختبار الذكاء، ومباراة في إثارة الدهشة، والقدرة على الإيحاء دون ابتذال.


غير أن المؤسف اليوم أن هذا الفن التراثي العريق انحدر -في معظم ساحاته- إلى مستوى من القذف الصريح، والسب والتجريح، والتلفظ بألفاظ تخدش الذوق العام، وربما تجاوزت الشاعر إلى أهله وقبيلته، حتى بات بعض ما يُقال أقرب إلى المشاحنات السوقية منه إلى الشعر الذي عُرف برمزيته الراقية، وحفظه لمكانة الشاعر والجمهور والكلمة.

وهنا يبرز السؤال المشروع: ألا تشمل أنظمة الذوق العام ونظام مكافحة الجرائم المعلوماتية هذا النوع من التجاوزات؟ وألا يفترض أن توجد ضوابط تحفظ للمحاورة هيبتها، وتوقف هذه الفئة عند حدها، حتى لا يتحول الإرث الشعبي إلى منصة للإسفاف، وربما لإثارة النعرات القبلية؟

الكلمة مسؤولية، والشعر الشعبي جزء من ذاكرة المجتمع ووعيه، ولذلك فإن ترك ساحاته للفوضى لا يسيء إلى الشعراء وحدهم، بل إلى الذائقة العامة أيضًا. وما أحوج هذا الفن اليوم إلى وقفة تعيد إليه وقاره القديم؛ شعرًا يرفع الذائقة بدل أن يهبط بها.

ولعل الشاعر الكبير مصلح بن عياد اختصر المشهد كله حين قال:

عزي لكم يا أهل القلوب الوجاعي

مـا تخجلـون مـن العلـوم الرذيلة

بعض السوالف لبّسوها شراعي

مقعادها فـي بيـت أهلهـا جميلة