ماذا تقول؟!

نعم هو ما سمعت: نكرّم المجرمين.

ومن من العقلاء يقبل بما تقول ويكرّم المجرمين؟!


معظم قومي يعملون ذلك، بل يعيبون على من لا يكرّم المجرمين معهم، ويسمونه بالبخل والشح، وبأنه لا يعرف السلوم والعلوم، ولا يقف مع قومه ولا يجمّلهم بين القبائل، ويرميه قومه عن قوس واحدة، وقد يتهم بالجنون.

لا أعتقد أن ما تقوله حقا!

بل هذا هو الواقع وسوف أوضح الصورة لنرى من المحق فينا.

وقبل ذلك دعونا نتفق على بعض النقاط:

الأمر الأول: القتل جريمة من الجرائم، بل من أكبر الجرائم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93]. وهذا من أشد ما جاء من الوعيد في حق القاتل، حتى أن ابن عباس -رضي الله عنهما- لا يرى للقاتل توبة. ومعنى الآية: ومَن يَقْتُلْ مؤمنًا عامدًا قتلَه، مُريدًا إتلافَ نفسِه {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ}. يعني: عذابَ جهنمَ {خَالِدًا فِيهَا}، يعني: باقيًا فيها، {وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ} وغضِب اللهُ عليه بقتلِه إياه متعمِّدًا {وَلَعَنَهُ} وأَبْعَدَه مِن رحمتِه وأخْزاه {وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} وذلك ما لا يَعْلَمُ قدْرَ مبلغِه سواه سبحانه وتعالى. تفسير الطبري: 7/336. ويرى جمهور الفقهاء أن القتل العمد ليس فيه كفارة (عتق أو صيام)؛ لأن ذنبه أعظم من أن تُكفّره كفارة، والجزاء الأوفى له هو القصاص في الدنيا أو العذاب في الآخرة.

الأمر الثاني: القاتل أيا كانت ظروف الحادثة قد ارتكب جريمة القتل فهو مجرم في نظر الشرع والنظام.

الأمر الثالث: نزاهة وعدالة قضائنا، وأن الحكم بالقتل يمر بجميع درجات التقاضي: فهو يُنظر في المحكمة الابتدائية من دائرة مشتركة مكونة من ثلاثة قضاة، وفي مرحلة الاستئناف من دائرة مشتركة مكونة من خمسة قضاة، وكذلك ينظر من قبل المحكمة العليا من قبل خمسة قضاة، فإذًا الحكم بالقتل لا يتم إلا بعد نظره من قبل ثلاثة عشر قاضيا.

فمهما كان ظرف القاتل وسواء كان القتل دفاعا عن النفس أو العرض أو المال، كما يدعي البعض، فإن الحكم بالقتل لا يتم إلا بعد مروره بجميع درجات التقاضي، كما أسلفنا، وأخذ الجاني حقه كاملا في الدفاع. والقضاء ينتهج نهج الشريعة بعدم التشوف للقتل بل لدرء الحدود.

ولا يخلو الجاني من حالين:

إما أن يكون مستحقا للقتل وأيدته الأدلة فهذا قد نال جزاءه.

وإما أن يكون غير مستحق للقتل في حقيقة الأمر ولكن لم تؤيده الأدلة لدرء القتل عنه، فهذا ينال الأجر من الله سبحانه وتعالى. كما قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد».

أما صورة تكريم المجرمين فهي أن يقتل شخص آخر، وقد يكون القاتل والمقتول مجتمعين على مفسد أو على أمر محرم فيقتل أحدهما الآخر، أو أن يكون لأمر تافه، فكم سمعنا من القصص والاستهانة بالقتل عند احتكاك السيارات بعضها البعض، أو تعدي أحدهما على موقف كان الآخر يريد أن يقف فيه، أو كلمة، أو إشارة، أو نحو ذلك.

ثم يحال الجاني إلى المحكمة الشرعية فتصدر حكمها بالقصاص من الجاني، ثم يتنادى القوم من شيوخ القبائل والأعيان والأفراد وسماسرة الدماء -إلا ما رحم ربي- لما يدعونه زورا بعتق رقبة ابن القبيلة، وليس هذا من العتق في قليل ولا كثير ولا قبيل ولا دبير، فالعتق بالمعنى الشرعي لا يكون إلا في الرقيق وليس ثمة رقيق، ويرسلون الجاهيات والوسطاء لأولياء الدم ويغرونهم بالأموال، ويقابل ذلك خسة ودناءة من بعض أولياء الدم فيبيعون دماء أوليائهم في سوق الخسة والنذالة.

وأصبحت تتضخم الأسعار حتى وصلت إلى ستين وسبعين مليون ريال سعودي وأكثر من ذلك.

ثم إذا وافق أولياء الدم على ذلك تنادى القوم وعقدت اللجان واللقاءات، وذاع اسم القاتل بين أفراد القبيلة، وشاعت الوسوم وهو ما يعرف بالترند على وسائل التواصل الاجتماعي بعتق رقبة فلان، ونظمت الأشعار، وأولت الآيات القرآنية واختزلت الآية القرآنية فلا تسمع إلا {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}، ولا شك في حسن نية البعض واعتقاد أن ذلك من الإصلاح، ولكن أين هؤلاء عن بداية الآية والآيات التي قبلها إذ إن بداية الآية هو قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. وهي جاءت في سياق قصة قتل ابن آدم لأخيه والتي يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا تقتل نفس إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها».

أليس هذا تكريما للمجرم؟! أليس هذا تكريما للقاتل؟! وهل كرمت القبيلة أبناءها المجتهدين، وهل أسهمت في تعليم أبنائها الذين لم تمكنهم درجاتهم من الانضمام للجامعات الحكومية أو التخصصات التي يرغبونها؟

هل أسهمت القبيلة في الأعمال الاجتماعية التطوعية التي تخدم المجتمع؟

هل قامت بإنشاء معاقل تعليمية؟

هل قامت بتوفير أجهزة طبية يُحتاج إليها كنوع من العمل الإنساني؟

هل تفقدت محتاجيها وذوي الفاقة فيها أم أنها لا تعرف هؤلاء إلا عند زكاة الفطر؟

ولا يأتِ أحد ليزايد على وطنيتي فنحن -ولله الحمد- ننعم في المملكة العربية السعودية -حرسها الله- بالأمن والأمان، وتقديم الخدمات الصحية والتعليمية مجانا للمواطن والمقيم على حد سواء، وعلى أعلى المستويات.

وإنما أقارن هنا بين من يجمعون الأموال الطائلة معارضة لشرع الله؛ فإن شرع الله في حق القاتل هو كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45]. وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا يُودَى، وَإِمَّا يُقَادُ». البخاري: (6880) ومسلم (1355).

وبين الذين لم يقوموا يوما بتكريم من يستحق التكريم فعلا، والذين لم يفكروا يوما بالقيام بأعمال تطوعية تعود عليهم وعلى مجتمعهم بالنفع.

أرأيتم لو استثمرت القبيلة هذه المبالغ في مشروع تجاري يعود نفعه على أبناء القبيلة، كم من الفائدة ستعود عليهم؟

أرأيتم لو جعلت هذه المبالغ كأوقاف يجري ريعها وأجرها على أبناء القبيلة.

أما هذا الاستنفار لأجل قاتل فما هو إلا للعصبية القبلية والرياء والمفاخرة بين القبائل بعضها البعض.

حتى استهين بالقتل من قبل المجرمين معتمدين على قول الجاهل: (والله ما ينقص ولدنا) وقول الآخر: (نطلع ولدنا بخشم الريال).

وكم قيمة هذا القاتل في المجتمع؟! وما الذي قدمه للمجتمع حتى تدفع هذه الأموال لإبقائه حيا؟! هبوا أنه مات في حادث سير. وهنا تحضرني مقالة الشيخ عبدالله بن محمد آل الشيخ حينما قَتَلَ إبراهيم باشا ابنَه سليمان، وأراد أن يغيظه فقال: قتلنا ابنك سليمان، فقال قولته المشهورة: إن لم تقتله مات.

إن من آثار هذا التكريم هو استهانة السفهاء بالقتل والتمادي فيه.

وفيما يقوم به القوم من تكريم المجرمين:

معارضة لحكمة الشريعة في القصاص: فالله سبحانه وتعالى يقول: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} أي: وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل حكمة عظيمة لكم، وهي بقاء الأرواح وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يُقتل انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس. والعرب تقول: القتل أنفى للقتل.

ومعارضة لمقدار الديات، فكم هي الدية الشرعية بالنسبة لهذه المبالغ الطائلة، حتى إن بعض أولياء الدم قد باع دم وليه في سوق الخسة والدناءة بدية مئتي رجل! علما بأن الفقهاء قد نصوا على أن عاقلة الرجل لا تتحمل عنه في دية العمد، فإذا كانت العاقلة لا تحمل عن الجاني في دية القتل العمد، فكيف تحمل بهذه المبالغ؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله

وختاما، أناشد عراب الرؤية سمو سيدي ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء بالتوجيه بدراسة هذه الظاهرة، وإلحاق نص نظامي في نظام العقوبات الذي ننتظر صدوره ليكتمل عقد الأنظمة التي نوه عنها سموه حفظه الله، بتحديد حق أولياء الدم في أحد ثلاثة أمور: إما العفو، وإما الدية المقررة شرعا، وإما القصاص، كما قال صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا يُودَى، وَإِمَّا يُقَادُ». البخاري (6880) ومسلم (1355). وفي الحديث: بيان أن ولي القتيل بالخيار بين أحد الأمرين أيهما شاء أعطيه. «أعلام الحديث» (1/ 216).

نسأل الله العافية، وأن يردنا والمسلمين إليه ردا جميلا.