استفزتني العبارة، فهي تشير إلى هدم شخصية الطفل بمجرد التحاقه بالصفوف الأولية، وربما تشوهت نتيجة عوامل متعددة، فالطفل يأتي للروضة وهو متلبس بشخصية مجتمعه الصغير (الأسرة)، وهنا يحدث الصدام بين الشخصيتين: شخصية المنزل وشخصية المعلم أو المعلمة، وحين تطغى الشخصية الأقوى - ربما تكون غير مناسبة - تبدأ مرحلة جديدة، يتطبع بها الطفل حتى الكبر، ومن منا لا يتذكر أصدقاء الطفولة، خاصة مرحلة الروضة. فعند اللقاءات الجماعية، تجد أن الجميع يتذكر مواقف معينة لبعضهم البعض، مثل: أنت كنت عنيد، كنت مشاغب، كنت عنيف، كنت تبكي.. صفات وشخصيات ارتبطت بالوجدان العاطفي لأصدقاء الطفولة، وربما مازالت مسيطرة على شخصية الطفل نفسه على الرغم من الكبر.
المرحلة الأولية من التعليم هي أكثر المراحل تأثيرًا في تشكيل شخصية الإنسان، وبناء اتجاهاته النفسية والمعرفية والاجتماعية، حيث يبدأ اختلاطه بشخصيات أخرى غير والديه أو إخوته، إن كان له إخوة أكبر منه. وخلال السنوات المبكرة، تتكوّن ملامح الشخصية، الإيجابية منها أو السلبية، حيث تتطور لديه القدرات الإنسانية، مثل: الثقة بالنفس، والقدرة على التواصل، والانضباط، وحب التعلم، والوعي بالذات، والآخرين. وعلى الجانب الآخر، ونتيجة تأثير المعلم أو المعلمة، وأيضا البيئة الصفية أو البيئة المدرسية، يبدأ ظهور شخصيات من الطلبة تتميز بالعنف والعند، ورفض التعلم، بل والتأثير في الطلبة الضعاف بدنيا، وترهيبهم وجذبهم بعنف ناحية هذا النمط من الشخصيات غير السوية.
ومن هنا، فإن المعلم في المرحلة الأولية لا يؤدي دورًا تعليميًا فحسب، بل يمارس دورًا تربويًا وإنسانيًا عميق الأثر، يجعله أحد أهم العوامل المؤثرة في تكوين شخصية الطفل، وبناء مستقبله النفسي والاجتماعي والمعرفي، حيث يتوجب عليه العمل على تغيير نمط الشخصيات غير السوية أولا، حتى لا تفسد في الأرض، وأيضا العمل ردفا مع ذلك على دعم الطلبة الطبيعيين في هذه المرحلة، لاكتشاف ذاتهم، وتنمية قدراتهم ومهاراتهم.
التعامل مع الطفل في سنواته الأولى يتطلب نوعًا خاصًا من المعلمين، لأن الطفل في هذه المرحلة لا يتعلم بالمحتوى وحده، بل يتأثر بالسلوك، والنبرة، وطريقة التعامل، والقدرة على الاحتواء والتحفيز. لذلك، فإن نجاح التعليم في المرحلة الأولية يبدأ من جودة اختيار المعلم وإعداده، وليس فقط من تطوير المناهج أو توفير التقنيات التعليمية، فالمعلم غير المؤهل أو غير الراغب في المهنة قد يترك آثارًا سلبية طويلة المدى على شخصية الطفل، وثقته بنفسه، وعلاقته بالتعلم.
لهذا، ينبغي أن يكون معلم المرحلة الأولية مؤهلًا علميًا وتربويًا بصورة متكاملة، بحيث يمتلك المعرفة الأكاديمية، والقدرة على التدريس، والفهم العميق لخصائص النمو النفسي والاجتماعي للأطفال. كما يجب أن يكون راغبًا في العمل التعليمي عن قناعة، لأن التعليم في هذه المرحلة تحديدًا يحتاج إلى شغف وصبر ومرونة عاطفية، وليس مجرد وظيفة تؤدى بشكل روتيني، فالمعلم الذي يفتقد الدافعية الحقيقية يصعب عليه بناء بيئة صفية إيجابية ومحفزة للأطفال.
ومن الجوانب الأساسية كذلك أن يتمتع المعلم بشخصية متزنة قادرة على ضبط الانفعالات وإدارة المواقف التربوية بحكمة، فالطفل يتأثر بسرعة بردود أفعال المعلم، وقد تتحول كلمة قاسية أو أسلوب غير تربوي إلى تجربة نفسية مؤلمة تبقى سنوات. لذلك، فإن الاتزان الانفعالي، والقدرة على الاحتواء، واحترام الفروق الفردية، تعد من أهم الكفايات المهنية لمعلم المرحلة الأولية.
كما أن دراسة علم نفس الطفل يجب أن تكون عنصرًا جوهريًا في إعداد المعلم، لا مجرد مقرر نظري محدود. ففهم دوافع الطفل، واحتياجاته النفسية، وأنماط التعلم لديه، ومراحله النمائية، يساعد المعلم على بناء أساليب تعليم أكثر فاعلية وإنسانية. فالمعلم الذي يفهم الطفل يستطيع أن يفسر السلوك بدلًا من معاقبته فقط، وأن يعالج المشكلات التربوية بأساليب علمية قائمة على الفهم والتوجيه.
الاعتماد على الكفاءة العلمية أو الشهادة الجامعية للمعلم ليست هي المؤهلة له لخوض غمار العمل في مهنة التعليم، ففي عصرنا هذا لم يعد كافيًا أن يمتلك المعلم المعرفة الأكاديمية فقط، بل أصبح مطلوبًا منه أن يكون مبادرًا، ومبدعًا، وقادرًا على بناء بيئات تعلم جاذبة. فالمعلم المبادر هو الذي يبحث عن الحلول، ويبتكر أساليب تعليمية جديدة، ويخلق فرصًا للتعلم النشط، ويحوّل الصف الدراسي إلى مساحة للتفاعل والاكتشاف، بدلًا من الاكتفاء بالتلقين التقليدي.
ومن أهم الجوانب التي ينبغي التركيز عليها في إعداد المعلمين اليوم تنمية المهارات الناعمة، خصوصًا لدى معلمي المرحلة الابتدائية. فمهارات التواصل، والتعاطف، والذكاء العاطفي، والعمل الجماعي، والإقناع، وإدارة الحوار، أصبحت جزءًا أساسيًا من نجاح العملية التعليمية. فالطفل في المرحلة الابتدائية يحتاج إلى معلم يشعره بالأمان والانتماء قبل أن يقدّم له المعرفة. لهذا، فإن المعلم الناجح في هذه المرحلة ليس بالضرورة الأكثر حفظًا للمعلومات، بل الأكثر قدرة على بناء علاقة إنسانية إيجابية مع الطفل.
ومن هنا تظهر الحاجة إلى إعادة النظر في آليات استقطاب وإعداد المعلمين. فمن غير المنطقي أن ينتظر الطالب حتى يتخرج، ثم يبدأ رحلة جديدة من التأهيل والدورات والإعداد المهني، بينما يمكن بناء هذا المسار مبكرًا داخل الجامعة. لذلك تبرز أهمية تبني نموذج وطني لاستقطاب الراغبين في امتهان التعليم من مختلف التخصصات والجامعات قبل التخرج، بحيث يتم اكتشاف الميول والقدرات التربوية لديهم، وإلحاقهم بمسارات إعداد تربوي وميداني متدرج في أثناء المرحلة الجامعية نفسها.
هذا النموذج سيحقق فوائد استراتيجية عدة؛ فهو سيقلل الفجوة الزمنية بين التخرج والانخراط في العمل، ويضمن جاهزية المعلم مهنيًا ونفسيًا منذ اليوم الأول. كما يسمح ببناء كفاءات تعليمية أكثر تخصصًا وارتباطًا بواقع المدرسة. ويمكن أن يشمل البرنامج: التدريب الميداني المستمر، والتوجيه المهني، ودراسة علم نفس الطفل، وتنمية المهارات الناعمة، والتدريب على إدارة الصف والتواصل مع الأسرة.
كما ينبغي أن تتم مواءمة المعلمين مع المراحل التعليمية وفقًا لسماتهم الشخصية وقدراتهم المهنية، لا وفق التخصص الأكاديمي فقط. فليس كل معلم ناجح في المرحلة الثانوية قادرًا على النجاح في المرحلة الابتدائية، والعكس صحيح. فمعلم المرحلة الابتدائية يحتاج إلى طاقة عاطفية وصبر وقدرة عالية على التواصل الإنساني، بينما تتطلب المرحلة الثانوية شخصية أكثر تخصصًا وقدرة على الحوار الفكري والإرشاد الأكاديمي. ومن هنا، فإن تصنيف المعلمين وفق السمات الشخصية والقدرات السلوكية قد يسهم في رفع جودة التعليم، وتحقيق توافق أفضل بين المعلم والمرحلة التعليمية.
أثبتت العديد من التجارب العالمية نجاحها في هذا المجال. ففي فنلندا، يُنظر إلى مهنة التعليم بوصفها من أكثر المهن مكانة، ويتم اختيار المعلمين وفق معايير دقيقة، تشمل الكفاءة الأكاديمية والقدرات الشخصية والدافعية المهنية. كما يخضع المعلمون لتدريب تربوي عميق يركز على علم النفس والتعلم التطبيقي. أما في سنغافورة فتبدأ عملية إعداد المعلمين مبكرًا، حيث يتم استقطاب الطلبة المتميزين، وتأهيلهم مهنيًا في أثناء الدراسة الجامعية، مع توفير مسارات تطوير مهني مستمرة. وفي اليابان، يحظى الجانب القيمي والسلوكي بأهمية كبيرة في إعداد المعلم، ويُنظر إلى المعلم بوصفه قدوة تربوية قبل أن يكون ناقلًا للمعرفة.
بناء شخصية الطفل في المرحلة الأولية مسؤولية وطنية وإنسانية كبرى، والمعلم هو محور هذه المسؤولية. لذلك، فإن الاستثمار الحقيقي في التعليم لا يبدأ بالمباني أو التقنيات، بل بالمعلم: اختيارًا، وإعدادًا، وتأهيلًا، وتصنيفًا، وتمكينًا. وكلما نجحت المجتمعات في إعداد معلمين يمتلكون العلم، والشغف، والاتزان، والمهارات الإنسانية، كانت أكثر قدرة على بناء أجيال متوازنة، مبدعة، وقادرة على صناعة المستقبل.