يُقال، والعهدة على الراوي طبعًا، إن أحدهم حاول يومًا أن يستعرض عضلاته الكلامية على أرض الواقع، ظنًا منه أن الحياة تعمل بالقوانين نفسها التي تحكم معارك «الفيسبوك»، لكنه خرج من المواجهة بخسارتين ثقيلتين: شاشة هاتفه، وما تبقى من شاشة وجهه، ليكتشف متأخرًا أن أرض المعركة تختلف كثيرًا عن أرض «الفسبكة».

والمفارقة الساخرة أن الرجل بدلًا من التوجه إلى المستشفى، لإصلاح ما أفسدته المعركة في وجهه، أسرع إلى محل صيانة الهواتف، لإصلاح شاشة هاتفه، استعدادًا لخوض جولة جديدة من الشتائم الإلكترونية ضد خصمه، على الرغم من أن ذلك الخصم ربما لا يملك حسابًا على «الفيسبوك» أصلًا.

ومنذ تلك اللحظة، بدأ يوزع الشتائم والتخوين في كل اتجاه، منشورًا هنا وتعليقًا هناك، بكل شجاعة إلكترونية ممكنة، حتى بدا وكأنه يخوض حربًا عالمية كاملة عبر لوحة مفاتيحه،


مزودًا بترسانة إلكترونية لا مثيل لها:

* شاشة سليمة.

* كيبورد متماسك.

* باقة إنترنت مفتوحة.

* قاموس مليء بالشتائم الإلكترونية النووية.

ثم انطلق مهاجمًا خصومه عبر قاذفات التعليقات والمنشورات، متحولًا فجأة إلى «جنكيز خان» إلكتروني، يجتاح الصفحات بالشتائم والتخوين، تاركًا خلفه ضجيجًا إلكترونيًا أكثر من أي انتصار حقيقي.

بينما خصمه الواقعي ربما كان يجلس بهدوء في أحد المقاهي يحتسي الشاي، غير مدرك أصلًا أن هناك معركة إلكترونية محتدمة ضده في العالم الافتراضي.

هذه الحالة لم تعد استثناءً، بل تحولت إلى ظاهرة واسعة في مجتمعاتنا العربية، حيث باتت مواقع التواصل الاجتماعي ساحة مفتوحة للبطولات الوهمية، ومتنفسًا لمن يحاولون تعويض هزائم الواقع بانتصارات إلكترونية سريعة.

فبمجرد أي اختلاف في الرأي، تبدأ معارك التعليقات، وتنهال الشتائم والتنمر والتقليل من الآخرين، دون أي اعتبار لأخلاق الحوار أو احترام الاختلاف، حتى أصبح بعض مستخدمي مواقع التواصل يتصرفون وكأنهم خبراء في كل شيء، وقضاة على الجميع.

أما في فضاء «الفسبكة»، فالأمر مختلف تمامًا؛ فلا معارك حقيقية ولا مواجهات مباشرة، وكما يقول أحد الأفلام العربية ساخرًا: «مفيش ضرب، كله شتيمة».

وتزداد المفارقة حين يتحول بعض هؤلاء إلى أوصياء على الجميع؛ فتارة يمارس القذف والإساءة بحق فتاة لمجرد اختلاف عابر، وتارة يمارس التنمر اللفظي والتقليل من شأن أشخاص يُعدّون من جهابذة مجالاتهم، بينما يظل هو، بكل ثقة، الخبير الأوحد في كل شيء، عدا خبرة واحدة فقط، ويا حسرة، وهي التحلي بالأخلاق.

واللافت أن كثيرًا من هؤلاء يمارسون شجاعة استثنائية خلف الشاشات، شجاعة لا تحتاج سوى اتصال جيد بالإنترنت، بينما الشجاعة الحقيقية على أرض الواقع تحتاج أخلاقًا قبل أي شيء آخر.

لقد تحولت بعض منصات التواصل إلى حلبات صراع يومية، لا تهدف إلى النقاش بقدر ما تسعى إلى تسجيل الانتصارات الوهمية، وإسقاط الآخرين معنويًا، حتى لو كانوا أصحاب خبرة أو قيمة حقيقية.

وأحيانًا يصل الأمر ببعضهم إلى إسقاط شخصيات عامة ذات وزن ثقيل، بل وهزيمة دول بأكملها، وطبعًا كل هذا الانتصار إلكترونيًا.

بل إن البعض بات يعتقد فعلًا أنه أحد قادة معركة اليرموك، لا مجرد مقاتل خلف شاشة هاتف.

وفي النهاية، يبدو أن كثيرًا من أبطال مواقع التواصل لا يخوضون معارك حقيقية، بل يحاولون فقط الهروب من واقعهم عبر بطولات إلكترونية مؤقتة، ليثبتوا، دون أن يشعروا، مرارة سؤال نزار قباني القديم:

هل البطولةُ كذبةٌ عربيةٌ

أم مثلُنا التاريخُ كاذبُ؟