حين تأسست هيئة الثقافة (سابقًا)، حاولت الأندية مدّ جسور التواصل معها، ونفذت بالفعل بعض الأنشطة المشتركة، لكن مع تحول الهيئة إلى وزارة، انكفأت الأندية على رصيف الانتظار، تترقب رؤية واضحة أو اجتماعًا يجمع سمو الوزير برؤسائها، على غرار لقاءاته المثمرة مع أطياف المثقفين الآخرين، لقاءً كان كفيلًا برسم معالم الطريق.
وفي تلك الفترة الضبابية، جفت الحسابات المالية للأندية بعد أن استنفدت بقايا الدعم السخي الذي حظيت به في عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز (يرحمه الله)، ورغم ذلك، استماتت الأندية في تشغيل برامجها المعتادة، في ظل انعدام الرؤية حول مصيرها الإداري والمالي.
من جهة أخرى، تخضع الجمعيات الأدبية اليوم لإشراف فني من وزارة الثقافة، بينما تتبع إداريًا للمركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، غير أن هذه الكيانات باتت عاجزة حتى عن سداد فواتير الخدمات الأساسية ورواتب موظفيها، ومؤخرًا طرحت الوزارة حزم دعم (تأسيسي، وطارئ، ودعم مقابل الأداء والمشروعات)، ورغم تقدم الجمعيات بملفاتها، فإن أغلبيتها خرجت صفر اليدين في العام الماضي؛ لتتكشف الحقيقة هذا العام: الدعم ليس ريعيًا بل هو «تنافسي انتقائي»، وهدف الوزارة دفع الجمعيات نحو الاستدامة المالية الذاتية عبر الهبات والرعايات.
إن غياب خطة إستراتيجية خاصة برعاية الأندية الأدبية (بما تملكه من تاريخ) من قِبل وزارة الثقافة أو مركز القطاع غير الربحي، هو الذي صَيَّر هذه المؤسسات العريقة ذات الإرث العميق إلى هذا المآل الحرج، حتى سُوّيت بجمعيات ناشئة أُسّست بالأمس، ولم يشفع تاريخ الأندية الممتد لعقود في الحصول على مسار تأهيلي خاص يضمن وقوفها على أرض صلبة، وتجلى ذلك في:
• الإقصاء من صناعة القرار: عدم تمكين قيادات الأندية من المشاركة في ورش عمل ومؤتمرات «مستقبل الثقافة».
• غياب البوصلة: لم تُبيّن الوزارة للأندية رؤيتها الإستراتيجية لمستقبل هذه الكيانات.
• التخلي عن التأهيل: لم تأخذ الوزارة بيد هذه المؤسسات لتأسيس أوقاف أو موارد مستدامة قبل رفع الدعم عنها.
الآن، بعد أن ازدحم الفضاء الثقافي بمئات الجمعيات والكيانات الناشئة، يُطلب من الأندية تأمين مواردها ذاتيًا! إن الحصول على رعايات القطاع الخاص أصبح اليوم بعيد المنال في ظل شح الموارد وتزاحم الجهات الطالبة للدعم، فما بالك بالأندية في المدن الصغيرة، علاوة على أن خلق قنوات استثمارية مستدامة يتطلب جهودًا تسويقية جبارة، ورؤوس أموال تأسيسية غير متوفرة أصلًا في خزائن هذه الجمعيات.
لا يمكن مساواة الأندية الأدبية بالجمعيات الناشئة؛ فالأندية تمتد جذورها في عمق الذاكرة الوطنية، وتملك مقرات جيدة، وتاريخًا نظمت خلاله الملتقيات واللقاءات الثقافية، وطبعت خلاله آلاف العناوين التي تشكل هرم الحركة النقدي والإبداعي السعودي، وضياع هذه الأندية هو ضياع لأرشيفنا الثقافي.
إن تمكين هذه الكيانات العريقة لا يعني منحها إعانات مؤقتة، بل يتطلب حلولًا إستراتيجية ومبادرات نوعية تقع في صلب مسؤولية الوزارة، ومنها:
أولًا: الحلول والمصادر الرقمية الموحدة:
1- المنصة الوطنية الموحدة للكتاب الأدبي: منصة رقمية مركزية تنشئها الوزارة، تجمع وتسوّق نتاج ومطبوعات كافة الأندية والجمعيات، وتوجّه عوائد البيع مباشرة لخزائنها، بدلًا من إثقال كاهل كل جمعية بنفقات إنشاء متجر إلكتروني مستقل وحوكمته.
2- أكاديمية الأدب الرقمية للتدريب: منصة موحدة تحت إشراف الوزارة تُفوض عبرها الجمعيات لتقديم دورات تدريبية نوعية مدفوعة، وتتولى المنصة الحوكمة والتقويم وتوزيع العوائد لاستدامة الجمعيات.
ثانيًا: استثمار الأصول والشراكات الإستراتيجية:
1- التشغيل الاستثماري الذكي للمقرات: تمتلك الأندية قاعات ومسارح جيدة معطلة معظم أيام الأسبوع؛ ويمكن للوزارة عبر أذرعها الاستثمارية تولي تشغيل هذه المسارح تجاريًا لإقامة مؤتمرات وفعاليات القطاعين العام والخاص، على أن يعود ريع استثماري ثابت ومستدام لخزينة الجمعية يغطي نفقاتها التشغيلية، مع تكفل الجهة المشغلة بالصيانة.
2- الصناديق الوقفية الإقليمية الموجهة: تأسيس صناديق وقفية استثمارية خاصة بالأندية الأدبية بالتنسيق مع مركز القطاع غير الربحي، تُغذى عبر شراكات إستراتيجية مع الشركات الكبرى في كل منطقة (كأرامكو، وسابك، والبنوك المحلية، والشركات المستفيدة من عقود الوزارة) ضمن برامج المسؤولية المجتمعية الرصينة، ويصرف ريعها السنوي لتمويل الأنشطة الثقافية.
3- برنامج «الابتعاث الداخلي» لرفع كفاءة الشركات: تحويل الأندية إلى بيوت خبرة من خلال إطلاق برنامج ترعاه الوزارة، تلتزم فيه الشركات والمؤسسات الكبرى بشراء حقائب تدريبية ومقاعد سنوية لموظفيها في مسارات الأدب، والكتابة الإبداعية، والتدقيق اللغوي، والخطابة، مما يضمن تدفقًا ماليًا دوريًا للجمعيات.
4- حاضنات المقهى الثقافي الشريك: إبرام اتفاقيات مظلة مع علامات القهوة السعودية الناجحة لمنح الأندية الأدبية فروعًا بنظام الامتياز التجاري المطور (Franchise) يدمج المقاهي بالهوية الثقافية والمكتبات المصغرة، ويوجه جزءًا ثابتًا من الأرباح لاستدامة الأندية.
5- رعاية الصالونات والأندية الفرعية: فتح المجال للقطاع الخاص ورجال الأعمال لرعاية صالونات أدبية محددة داخل الجمعيات تحمل أسماءهم لفترات زمنية محددة، يتكفلون خلالها بتمويل جوائز ومصروفات الصالون ونشر إصداراته تحت إشراف وحوكمة الأندية.
إن تعثر جمعية أهلية ناشئة وتوقفها قد يبدو أمرًا مبررًا في سياق القطاع الثالث، أما أن تتعثر مؤسسات ثقافية عريقة شكلت وجدان الثقافة السعودية، وتُجبر على التوقف والانطفاء، فهذا مآل لا يمكن تبريره أو القبول به في عصر الرؤية والتمكين، لاسيما وهي تملك من الأصول والإرث ما يضمن نجاحها لو حظيت بالتوجيه الاستثماري الصحيح.
لذا، يتطلع المثقف السعودي إلى لفتة حانية وتوجيه كريم من لدن سمو وزير الثقافة، للأخذ بيد هذه الكيانات وإعادة الاعتبار لدورها التاريخي؛ فمن غير المنصف ترك هذه الصروح تتهاوى في ظلال عجز مجالسها أمام متطلبات مادية واستثمارية لم تُهيّأ لها الأدوات الكافية لخوضها.