فبعد نظام الشركات القديم الصادر عام 1385هـ، جاء نظام الشركات عام 1437هـ ليمنح مرونة أكبر في تأسيس الكيانات، ومن أبرز تحولاته إتاحة تأسيس شركة الشخص الواحد، وتسهيل التحول من المؤسسة الفردية إلى الشركة، وتزامن ذلك مع توسع واضح في الخدمات الإلكترونية لوزارة التجارة، وسهولة إصدار السجلات وبروز التوثيق الإلكتروني للعقود، إضافة إلى مبادرات دعم وتحفيز مثل مبادرة استرداد التي ساعدت كثيرًا من المنشآت الصغيرة والمتوسطة في تخفيف تكاليف التأسيس والبداية، والتي كان أحد أبرز شروطها أن يكون الكيان شركة.
هذه العوامل مجتمعة صنعت موجة تأسيس واسعة، كثير من رواد الأعمال والأفراد اتجهوا إلى تأسيس شركات بدل الاكتفاء بالمؤسسات الفردية، وكان ذلك مفهوما في وقته؛ لأن تأسيس الشركة أصبح أسهل، وأسرع، وأكثر جاذبية من الناحية التنظيمية، خاصة مع فكرة المسؤولية المحدودة، وشركة الشخص الواحد، والدعم الحكومي المصاحب لتلك المرحلة.
ثم جاء نظام الشركات الجديد، وبدأ العمل به في منتصف 1444هـ (يناير 2023م)، ليعزز هذه الموجة بصورة أوضح.
وفي هذا السياق، أعلنت وزارة التجارة في 15 جمادى الأولى 1446هـ عن نمو السجلات التجارية للشركات بنسبة 68% خلال 20 شهرًا منذ سريان نظام الشركات الجديد، ووفقًا لما نشرته الوزارة، فقد ارتفع عدد سجلات الشركات من 230.762 سجلًا تجاريًا قبل بدء سريان النظام، إلى 389.413 سجلًا تجاريًا للشركات بنهاية الربع الثالث من عام 2024م.
وهذا الرقم يتجاوز كونه مؤشر نمو عابر، فهو يعكس تحولا واضحا في بنية السوق، فالمؤسسات الفردية تتحول إلى شركات، ورواد الأعمال يتجهون إلى تأسيس كيانات نظامية، والنظام الجديد أزال كثيرا من القيود في مراحل التأسيس والممارسة والتخارج، واستحدث شركة المساهمة المبسطة، وسمح بتحول المؤسسة الفردية إلى أي من أشكال الشركات، وتوسع في الخدمات الإلكترونية، وحضور الجمعيات والتصويت عن بعد، بل حتى التوثيق الذي كان سابقا يتم بحجز موعد لدى كتابة العدل أصبح برمز موثوق على الجوال.
كل ذلك جيد ومهم، وساهم في رفع جاذبية الاستثمار وتأسيس الشركات. لكن المرحلة لا تقف عند التأسيس.
فكلما زاد عدد الشركات، زاد في المقابل عدد الكيانات التي تحتاج إلى إدارة وامتثال ومتابعة، وبعض هذه الشركات يعمل وينمو، وبعضها يتعثر، وبعضها يتوقف، وبعضها يبقى قائما في السجل التجاري دون نشاط حقيقي.
وهنا تظهر مشكلة الشركات الصامتة
أقصد بالشركة الصامتة: الشركة القائمة نظاميا، لكنها بلا نشاط فعلي، أو بلا تشغيل منتظم، أو أُنشئت لغرض مؤقت وانتهى، أو بقيت مفتوحة دون حسابات واضحة، ودون قوائم مالية، ودون تحديث مستمر لبياناتها.
هذه الشركات ليست ساكنة كما يعتقد البعض، وجود الشركة في السجل التجاري يعني وجود كيان اعتباري، حتى لو لم يصدر فواتير، أو يحقق مبيعات، أو يملك موظفين، أو يمارس نشاطا حقيقيا، وبقاء هذا الكيان دون متابعة يفتح الباب لمخالفات وتبعات كان يمكن تجنبها بقرار مبكر ومنظم.
النظام الجديد أعطى مرونة أكبر في التأسيس والإدارة، لكنه في المقابل رفع مستوى المسؤولية في الامتثال، والتحديث، والإفصاح، وحفظ السجلات، وتنظيم العلاقة بين الشركاء، وإيداع القوائم المالية.
اليوم، الشركة غير النشطة مطالبة بإيداع القوائم المالية خلال المدة النظامية، وتحديث بيانات السجل، والإفصاح عن المستفيد الحقيقي، وتقديم التأكيد السنوي، إضافة إلى أي التزامات أخرى مرتبطة بوضعها النظامي أو المالي.
ومع أن بعض الملاك يظنون أن عدم وجود نشاط يعني عدم وجود مسؤولية، إلا أن المؤسف أن هذا غير صحيح.
عدم التشغيل لا يلغي الالتزام، وعدم وجود مبيعات لا يعني أن الشركة خرجت من دائرة المتطلبات النظامية، ترك الشركة مفتوحة بلا قوائم، وبلا تحديث، وبلا إفصاح، ربما يبدو توفيرا للتكلفة، لكنه في الواقع تأجيل لمشكلة أكبر.
لذلك، فإن من يملك شركة لا تعمل، أو شركة انتهى الغرض من تأسيسها، أو كيانًا لا توجد مصلحة حقيقية من استمراره، يحتاج أن يراجع موقفه بجدية.
إما أن يعيد تشغيل الشركة وينظم وضعها، أو يتخذ قرارًا فورياً بتصفيتها.
التصفية الاختيارية هنا لا تعني الفشل وليست خطوة سلبية، وليست مجرد إجراء إداري لإغلاق سجل، هي قرار ومتطلب قانوني، هدفه إنهاء الكيان بطريقة منظمة، وحصر الموجودات والالتزامات، وتعيين مصفي، وتسوية ما يلزم، ثم شطب السجل بعد اكتمال الإجراءات.
الفرق كبير بين أن تغلق الشركة بشكل منظم، وبين أن تتركها معلقة لسنوات.
الإغلاق المنظم يحمي الشركاء والمديرين من تراكم المخالفات، ومن بقاء الالتزامات غير الواضحة، ومن ظهور مطالبات لاحقة بسبب الإهمال أو عدم المتابعة، أما ترك الشركة بلا إدارة فعلية، فهو غالبًا نقل للمشكلة من الحاضر إلى المستقبل.
إن زمن التأسيس السهل أنتج عدداً كبيراً من الكيانات.
وزمن الامتثال الحالي يفرض على أصحاب هذه الكيانات أن يسألوا أنفسهم بوضوح:
هل هذه الشركة ما زالت تخدم غرضها؟ وهل وضعها النظامي في مأمن؟
إذا كانت الإجابة نعم، فالمطلوب تنظيمها والالتزام بمتطلباتها.
وإذا كانت الإجابة لا، فالأفضل ألا تبقى صامتة.
الشركة التي تعمل تُنظم وتلتزم، والشركة الصامتة تُصفّى وتُحــــــل.