في زمنٍ باتت فيه الأرقام تُفصح عمّا يعجز عنه البيان، وأصبح عدد الجامعات مقياساً للرقيّ ودليلاً على الحضارة في أذهان كثيرين، فمنذ أواخر التسعينيات وحتى اليوم، تضاعف عدد الجامعات الحكومية والأهلية في المملكة العربية السعودية تضاعفاً لافتاً، حتى بلغت عشرات المؤسسات المنتشرة من تبوك شمالاً إلى نجران جنوباً. وقد كان الدافع إلى هذا التوسع في أغلب الأحيان دافعاً اجتماعياً: تقريب التعليم من أبناء المناطق النائية، وتوفير فرصٍ للفتيات والشباب الذين لا يستطيعون الانتقال إلى المدن الكبرى، فوجد المراقب المتأمّل للمشهد نفسه أمام ظاهرةٍ غريبة تستأهل التأمّل والنقاش: توسّعٌ جامعيٌّ متسارع النبضات، مثل شجرة نمت في ليلة واحدة وارفة الأغصان، شحيحة الجذور. فإذا تعمقنا في التاريخ نستقي منه الدروس فلم تكن هذه الظاهرة وليدة اليوم، ولا هي حكرٌ على السعودية وحدها. فحين قرّرت الحكومة الفرنسية في مايو 1968م توسيع قاعدة التعليم الجامعي وتكثيف الجامعات، وجدت نفسها خلال عقد واحد أمام مشكلةٍ من نوعٍ آخر: خرّيجون بشهاداتٍ تفقد قيمتها السوقية يوماً بعد يوم، فيما سُمّي بـ«تضخم الشهادات» وهي الظاهرة التي رصدها عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتابه الشهير «التمييز نقد اجتماعي لحكم الذوق» (1979م)، حين أشار إلى أنّ الشهادة حين تتوفر لدى الجميع تفقد دلالتها التمييزية وقيمتها الرمزية معاً. الأمر ذاته، وبصورةٍ أكثر حدّةً، يعيشه التعليم الجامعي في المملكة. فبدلاً من أن تتحوّل الجامعات الجديدة إلى مراكز إشعاعٍ معرفي في مناطقها، تحوّلت في أحيانٍ كثيرة إلى منافذ لتوزيع الشهادات، مؤسساتٌ تشبه في وظيفتها الفعلية دائرة حكومية أكثر مما تشبه الأكاديميةَ الأفلاطونية، أو الجامعة البولونية التي أسّسها الطلاب أنفسهم طلباً للعلم لا لورقةٍ تُختم وتُطوى. «حين تتوفر الشهادة لدى الجميع، تفقد قيمتها — ويبقى الفارق الحقيقي في الكفاءة التي لم تُكتسب داخل قاعاتٍ أُنشئت على عجل».
يروي المفكر الأمريكي كلارك كير، أوّل رئيس لجامعة كاليفورنيا، في مذكراته أنّ الجامعة العظيمة تحتاج إلى ثلاثة أشياء لا غنى عنها: «أساتذةٌ ذوو شهرةٍ يجذبون الطلاب الأفضل، ومكتبةٌ واسعة تجذب الأساتذة، ومستشفىٌ جيد يطمئنّ الجميع». وكان يقصد بذلك أنّ الجامعة كيانٌ حيٌّ يتشابك فيه المعرفي والاجتماعي والإنساني. أمّا جامعاتنا الحديثة النشأة، فتجد نفسها في مواجهةٍ مع عجزٍ هيكلي حقيقي: شحّ الكوادر الأكاديمية المؤهلة تأهيلاً بحثياً عالياً. يصعب على مؤسسةٍ تأسست قبل عشر أو خمس عشرة سنة فقط أن تجذب الأستاذ الباحث صاحب التخصص الدقيق، فيُسدّ الفراغ في الغالب بأساتذة متعاقدين يتنقلون بين مؤسساتٍ عدة، أو بأعضاء هيئة تدريسية حملوا درجاتٍ علمية من مؤسساتٍ أجنبية لا تعني بالضرورة كفاءةً بحثية. والنتيجة؟ جيلٌ من الطلاب يتلقّى المعرفة مُعلَّبةً، بعيداً عن روح التساؤل والبحث التي هي جوهر الجامعة الحقيقية. تشير دراسةٌ نشرتها مجلة «التعليم العالي» البريطانية إلى أن الجامعات التي أُسست في بيئات نامية تحتاج في المتوسط إلى ما لا يقل عن عشرين سنة لبناء ثقافةٍ بحثية مستدامة، وتتطلب ما يزيد على خمسة آلاف طالب دراسات عليا فاعلين لتحقيق الكتلة الحرجة في الإنتاج المعرفي. كما لا يخفى على الجميع فخُّ الشهادة المجوفة على الاقتصاد الوطني، كتب جون ستيوارت ميل في كتابه الخالد «في الحرية» (1859م) أنّ «الضرر الحقيقي للجهل لا يقع على الجاهل وحده، بل يمتد ليُصيب المجتمع كله في مقتل». وهذه الحقيقة لا تجد صدىً أعمق مما تجده حين نتأمل العلاقة بين مخرجات التعليم الجامعي السعودي وسوق العمل. يُفترض بالجامعة أن تكون محركاً اقتصادياً لا مجرد واجهةٍ حضارية. فالجامعات الأولى في العالم من هارفارد إلى أكسفورد إلى طوكيو أثرت في اقتصادات بلدانها عبر ثلاثة أبواب: الابتكار التقني والعلمي، ورأس المال البشري المدرّب تدريباً حقيقياً، والبحث التطبيقي المرتبط باحتياجات الصناعة. أمّا حين تُخرج الجامعة خرّيجين يحملون شهاداتٍ في تخصصاتٍ لا تحتاجها سوق العمل، أو في تخصصاتٍ يُحتاج إليها لكنّهم لا يمتلكون فيها سوى قشور المعرفة، فإنّ الاقتصاد يدفع الثمن مرتين: مرةً في تمويل هذا التعليم العقيم، ومرةً أخرى في تعطّل طاقاتٍ بشرية كان يمكنها أن تكون منتجةً في مسارٍ آخر، ولعلّ رؤية 2030، في نظرتها الاستشرافية، تستحضر ضمناً هذا الخلل حين تُركّز على الشراكة مع القطاع الخاص وتأهيل الكوادر لكنّ المشكلة البنيوية في جامعاتٍ لا تزال تسبح في المياه الضحلة لن تُحلّ بالأنظمة وحدها. وفي الجانب الآخر ، ثمة وجهٌ آخر لهذه المعضلة لا يُذكر كثيراً في الأوساط الأكاديمية السعودية: أثر الجامعات الحديثة النشأة على سمعة الجامعات الكبرى والرائدة. فجامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، وجامعة الملك عبدالعزيز، وجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، بنت سمعتها الأكاديمية عبر عقودٍ من الاستثمار البشري والبحثي والمؤسسي. والمشكلة أنّ الجامعة الحديثة النشأة التي تحمل في اسمها صفةً ملكية أو وطنية قد تُلقي على عقل المتلقّي الأجنبي الطالب الدولي، أو هيئة التصنيف العالمي، أو الشركة الباحثة عن خرّيج ظلاً من التباسٍ لا تستحقه الجامعات الكبرى. يذكر الفيلسوف الألماني كارل ياسبرز في كتابه «فكرة الجامعة» (1923م) أنّ للجامعة «شخصيةً روحية» لا تُكتسب بالقرارات الإدارية بل بتراكم التجربة الحية. وهذه الشخصية الروحية هي التي تميّز أكسفورد عن منافسٍ أُسّس أمس، وهي التي تجعل من اسم المؤسسة علامةً على الجودة أو وسيلةً للشكّ فيها. ومن المفارقات اللافتة أنّ بعض جامعاتنا الحديثة النشأة باتت تحتج بمخرجاتها العددية عشرة آلاف خرّيج، وخمسة عشر برنامجاً أكاديمياً، ومبنىً تصممه شركةٌ دولية في حين أنّ أيّاً من هذه الأرقام لا يصنع بالضرورة جامعةً حقيقية. فمن ذلك كله يلوح في الأفق سؤال: هل ثمة مخرج؟ نحو فلسفة جامعية حقيقية لا تقتضي هذه الحجج بحالٍ إغلاق الجامعات الجديدة أو التشكيك في ضرورة التوسع الجغرافي للتعليم. فالحق في المعرفة حقٌّ إنساني، ومن العدل أن يجد ابن حائل أو ابن جازان طريقه إلى الجامعة دون أن يضطر إلى هجر أسرته ووطنه الصغير. غير أنّ المعالجة تبدأ بالاعتراف بالمشكلة. المخرج الحقيقي يمرّ عبر مسالك ثلاثة: أولها إعادة تصوير مهمة الجامعات الإقليمية لا بوصفها نسخاً مُصغّرة من الجامعات الكبرى، بل مؤسساتٍ متخصصة مرتبطة بالاقتصاد والبيئة المحلية، جامعةٌ في منطقةٍ زراعية تُحسن عملها حين تتخصص في الزراعة والتقنية الغذائية، وجامعةٌ في منطقةٍ صناعية تُبدع حين تُكوّن المهندسين والتقنيين. وثانيها الاستثمار الحقيقي في كوادر التدريس بدلاً من العمارة والواجهات، إذ إنّ المبنى شاهدٌ للعيون والأستاذ الباحث بنّاءٌ للعقول. وثالثها الشجاعة على الاندماج والتخصص — ولعلّ تجميع عددٍ من الجامعات الصغيرة في مؤسسةٍ واحدة قويةٍ أجدى على المدى البعيد من الإبقاء على كلٍّ منها في عزلتها وضعفها. فلنا في الممارسات العالمية خير مثال: فتجربة كوريا الجنوبية جديرةٌ بالملاحظة: فبعد أن عانت من تضخم جامعي مشابه في ثمانينيات القرن الماضي، انتهجت سياسة اندماج الجامعات الضعيفة وتخصيص تمويلٍ كافٍ لعدد محدودٍ من مؤسسات البحث المتميزة فكانت النتيجة ارتقاءً حادًا في تصنيفاتها الدولية وتعمقا ملموسًا في الابتكار والبراءات التقنية. الجامعة الحقيقية ليست موعداً يُحدَّد في خطة خمسية، بل هي لقاءٌ طويلٌ بين الأجيال لقاءٌ يُورث فيه الأستاذ طلابَه ليس فقط المعلومات، بل طريقة التساؤل وأخلاق البحث وروح النقد المحبّ للحقيقة. ومتى أدركت مؤسساتنا هذه الحقيقة، أدركنا معها أنّ الفخر الحقيقي لا يكون في عدد الجامعات المنتشرة على الخارطة، بل في عدد العقول الحرة المنتشرة في المجتمع، وعندها فقط تستحق الصروح اسمها.