اشتهرت مجالس الآباء والأجداد، منذ عقود خلت بصدق المشاعر تجاه الضيوف والزوار، سواء في الولائم أوالزيارات، تسابقها باقات التراحيب وعذوبة الابتسامات، وجلال الشيم، فيعم المكان دفء الأحاديث المتنوعة، وجمال الحكايات والمواقف الطريفة، وقد قيل «إن المجالس مرايا الأخلاق».

وفي أعوام قليلة مضت طرأت على مجالسنا ظاهرة لم يعهدها الناس من قبل، انتزعت البهجة، قللت التعارف، أغلقت باب «السواليف» وفرضت الصمت المطلق على الحضور بسبب شاعر وقف ينشد قصيدة... عصماء!!، وآخر يتأهب، وثالث ينتظر، وجميعهم يخوضون في مسالك المديح للضيف والمضيف، إلى درجة المبالغة الممقوتة. والقول بما ليس فيهم.

وإذا كان الشاعر العراقي الكبير محمد الجواهري هاجم في زمانه من توهموا أنهم شعراء، وما ينبغي لهم ممن يتهافتون على المناسبات بدعوة أو بدون دعوة فقال:


«سئمتُ الشعرَ ما فيه سوى معنى كذابِ

كل يوم شاعر كالبوم ينعى في خرابِ

وقوافِ لا يلجن السمع إلا باغتصاب

لهجة الصدق فيها كبياض في غرابِ»

ومن الطبيعي أن تسود أجواء من الانزعاج والملل والضجر بسبب قصائد بائسة، يحاولون تجميلها برفع الصوت، وتضخيمه، ويرون ذلك مقياس نجاحهم، لكن غاب عنهم أن الشعر الصحيح يبقى له هيبته، وتأثيره الإيجابي وجماله واحترام المجتمع له، وأن مكانه الاحتفالات الوطنية الرسمية الكبيرة، الأمسيات الثقافية، منتديات الشعراء، جلسات السمر، وهو مقبول ومطلوب من شعراء منحهم الله الموهبة الحقيقية، والثقافة العالية، وحُسن الإلقاء، إلى جانب قدرتهم على توظيف أغراض الشعر في الوقت والمكان المناسبين، وكما قيل لكل مقام مقال.

وللأسف نسمع في بعض المجالس نظماً متكلساً، ويقولون من التراث، لكنه تجرد من البلاغة والجمال، ليس بشعر وإن التزم بالوزن والقافية، وفوق ذلك يحجب فرحة أهل الدار بضيف أتى، لا ليبحث عن مديح، وضجيج، بل للقاء أصدقائه ومحبيه تلبيةً للدعوة، وتجديدا لأعوام مضت، ولاستغلال اللحظات بما يعزز الصداقة ويوطد من العلاقات.

يؤكد الصديق الأديب والتربوي يحيى بن محمد العلكمي أن الوضع في مجالسنا كان سمرة وسواليف ومزح لطيف، يتبعها أجمل عبارة صادقة وهي «أكرم خلفنا عليكم المطر»، وقال: «لا أعلم في قريتي ولا في القرى الأخرى المجاورة في زمن مضى شاعرا يقف في مناسبة عشاء أو غداء يمدح ويرفع عقيرته بما في الممدوح وبما ليس فيه، ضيفاً كان أم مضيفاً فما الذي تغير»؟

و كتب ابن حزم الأندلسي لصديقه: «إياك والامتداح، فإن كل من يسمعك لا يصدقك، بل يجعل ما سمع منك أول معايِبِك، إياك ومدح أحد في وجهه فإنه فعل أهل الَملَق، وضَعَةِ النُّفوس».

وكلما كانت المجالس على طبيعتها ونقائها خالية من التكلف والمبالغة والتكبر ، ومسابقة كبار السن على صدارة المجلس والمائدة، والاستئثار بالكلام وإشغال الحضور بثرثرة ألفاظ لا ناقة لهم فيها ولا جمل، كلما كانت اللقاءات جميلة، تتسم بالهدوء وحُسن الإنصات وتكشف عن حفاوة المضيف وفرحته، وتمنح الذكريات حرية الانثيال بكل بساطة وعفوية.

فهل حان الوقت لنعيد ما كانت عليه مجالسنا في الماضي؟