التوافق النفسي والفكري يؤدي إلى التصالح مع الذات ويفضي إلى الألفة والود مع النفس التي كرمها المولى تبارك وتعالى، وتتكئ هذه الطمأنينة على الأدوات المعززة من خلال الاستيعاب والإحاطة وهذا بلا ريب فن ومهارة نتيجة للاستماع الجيد والإنصات الفريد وما يشكله ذلك من وعي لدى المتلقي، سواء ما يتعلق بالرغبة واحترام التأثيرأو من خلال التهيئة النفسية التي تعد بيت القصيد في هذه المسألة، فطالما أن الرغبة هي الحافز للاستماع، فمن باب أولي أن تؤثر في أهمية التركيز والإصغاء والاستفادة القصوي ،قال تعالى في كتابه الكريم "حملناكم في الجارية.لنجعلها لكم تذكرةً وتعيها أذن واعية".

ورد الاستماع في مواضع عدة في القرآن الكريم للفهم والتدبر، من هنا يتضح أن الوعي من خلال الأذن والاستماع الجيد ما يعنيه من حسن الإنصات وتأثير الإصغاء بهذا الصدد ليشكل المستوى الرائع والراقي في الوقت ذاته.

وحينما يتسع الأفق يستوعب الإدراك العلوم المختلفة مشكلا بذلك نقلة فكرية لتتفاعل مع المنطلقات الحضارية، وتؤسس للرقي في المستوى واستثمار العائد الإيجابي، سواء ما يتعلق منها بأمور الآخرة واليقين المطلق برب العزة والجلال، أو من خلال العلوم الدنيوية كالصناعة والطب والهندسة والفلك والاقتصاد. وما إلى ذلك من تنوع معرفي يفضي إلى تنمية فكر الإنسان وهو الثروة الحقيقية للأمم التي تبذل الغالي والرخيص في سبيل نهضته وتطوره، فالاستيعاب يؤدي إلى الفهم والفهم يقود إلى التطلع للمرحلة التي تليها في سلسلة مترابطة، إذ يقود التراكم المعرفي المتكئ على قدرة الاستيعاب إلى بلوغ المراحل بانسيابية تعزز من تدفق المعلومات وترسيخها في الأذهان ،وبصيغة تؤدي إلى اكتمال العناصر المراد تحقيقها وصولاً إلى الهدف.


على سبيل المثال وفي مجال الصناعة تحديدا تجد المنتجات المختلفة منها الجيد والمتوسط والرديء، ولو قمت بمراقبة خطوط الإنتاج للمصانع المنتشرة على اختلاف ما تقدمه من منتجات، فإنك حتماً ستصل إلى نتيجة حتمية، وهي أن المنتج الجيد يقف خلفه تواصل جيد ودرجة انسجام عالية تتيح للاستيعاب مجالاً أوسع .وبالتالي فهم الفريق المنفذ للخطط والآليات التي أعدت لهذا الغرض والعكس صحيح. مرحلة الاستيعاب والتحفز، هذان العنصران المهمان بدرجة كبيرة والمؤثران في كل النواحي كفيلان بالنهوض بأي منتج ووضعه في الصدارة.

غير أن ما يحول دون بلوغ المستوى الأعلى للجودة ربما لا تكون آلية الإعداد بقدر ما ترتبط بالقدرة على الاستيعاب في غياب الانسجام بين الفريقين، وخلل في التواصل ،وربما أيضاً يكمن في أسلوب تمرير النظريات، ما يحول دون تطبيقها على الوجه الأمثل.

كل ما سلف يسوقنا إلى النظر برؤية أشمل إلى مدى أهمية الاستيعاب، لا سيما في المرحلة التعليمية والتي تعتبر الحاضن الأبرز للطاقات الإنتاجية التي ستدير المصانع والمستشفيات وجميع المرافق المختلفة.

والرسالة هنا للمتلقي أو بالأحرى الطالب ضع الهدف أمامك وحدث قدراتك بتنمية مهاراتك وصقلها، من خلال التركيز والاستيعاب ،واستمع جيدا سواء كنت في مقاعد الدراسة أو التدريب أو الوظيفة فيما بعد. ففن الإصغاء وإتقانه سيضيف لك الكثير والكثير مما تحلم به، كذلك إلى المعلمين والمعلمات، إلى المعيدين في الجامعات والمعيدات إلى الأطباء والمهندسين والصيادلة، إلى كل من تعلم وجاء دوره ليعلم، إلى كل من تدرب وجاء دوره ليدرب.

استشعار الرسالة النبيلة والواجب تجاه تعليم الآخرين، وتطوير مهاراتهم وتدريبهم يعد من مآثر الشهامة والمروءة والإخلاص الذي يسري في الشرايين، لتثمر عن أجيال تسبر أغوار العلم، وتطرق سبل المعرفة باحترام المعلم وتقديره ،وأريحية المعلم ورحابة صدره التي اتسعت لتستلهم الصبر ونيل الأجر. ترسيخ المعلومة وتمريرها بالأسلوب الأمثل يكمن في مثالية التواصل والاستيعاب المتقن، في حين الجودة تتحقق بالعزيمة والإصرار، تتحقق من خلال الشعور بجدواها وقيمتها من خلال ترسيخ المعلومة للتأكد من استيعابها وإحاطة الذهن بأبعادها. إنها المسؤولية الاجتماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، في ظل الاهتمام بالكيف لا الكم، في انسجام بديع ومتناغم مع الرسالة السامية التي يحملها كل من تعلم العلم وعلمه وإلى الله ترجع الأمور.