رجُلٌ وهبه الله ذاكرة نقية، لا تكاد تغيب عن أحاديثه صفحات من التاريخ المشرق لسيد الأوطان السعودية العظمى، والاعتزاز بالقيادة الرشيدة، والرؤية المباركة، وترافقه في جلسات السمر باقات تفوح بعبير التراث العسيري، ونوادر الحكايات، وطرائف المواقف، ودائما ما يسكُب من نبض حنينه ذكرياته ما بين أبها والطائف، وقريته الملاحة.
أحمد بن عبدالله عسيري، مجموعة إنسان، مٌرهف الحس، يمقت التصنع والتكبر، يميل إلى البساطة،
لا تعنيه الأضواء، ولا تغريه الشُهرة، يأنس لجلسات السمر، يترك أثره الطيب في المكان، صديق صدوق، ورفيق درب في الإعلام المرئي، جمعتنا أعوام العمل، والتقينا بعدها مرات ومرات.
كانت اللقاءات تستمر إلى ساعات متأخرة من الليل، وتمر كلمح البصر، لطيب السمر، وجمال الدردشات
مع من حضر، ومنهم أحمد نيازي، عبدالله شاهر، عبدالرحمن الفقيه، الحكم علوان، محمد مطاعن، محمد قاسم، الإذاعي سعيد بن مشهور، وأحياناً يُتحفنا الأديب الشاعر إبراهيم طالع بحضوره.
وكما هي عادة الدنيا، وكما قال الشاعر أحمد شوقي «يانفسُ دنياكِ تُخفي كل مبكية وإن بدا لكِ منها حُسن مُبتسمِ»
فقد أخذت تتساقط فجأة أوراق من شجرة الأصدقاء، ليغادرونا دون استئذان إلى دار القرار، بعد أن كانوا معنا ملء السمع والبصر «إبراهيم مناظر، منصور بحير، هادي علوان، عبدالله بن مشيط، عبدالله آل عمر، عايض الكودري»، رحمهم الله رحمة واسعة، وفي كل مواقع الأسى نتذكر دوماً بيتين لأبي عبدالرحمن، وهو يوجه سؤلاً استنكارياً إلى التابوت.
«أتحملني وقد طفحت ذنوبي، وتفضحُ ما توارى من عيوبي
أنا جسدُ تمرغَ في الخطايا، وأوغل في متاهات الدروبِ».
وإذا كان أحمد عسيري يُصنف اليوم في مقدمة شعراء المملكة، بعد أن سارت بقصائد شعره الركبان، وأفسحت لها المنابر والمناسبات، واختارها بعض طلاب الدراسات العليا لنيل درجاتهم العلمية، فإنه لا زال يحتل موقعه كنجم إعلامي له بريقه.
وأتذكر أنه قدم خلال عمله في الصحافة والتلفزيون خلال عقود مضت تحقيقات صحفية، وبرامج تلفزيونية سبقت عصرها في أفكارها وأهدافها، ومن أهمها صفحات «أبيض وأسود» في مجلة اقرأ الأسبوعية، في الربع الأول من التسعينيات الهجرية، حيث جرى تسليط الأضواء بالكلمة والصورة على المشروعات المتعثرة، فيما يتم الإشادة بالأعمال الناجحة.
وفي الفترة نفسها تقريباً أشرف على النشاط السينمائي والثقافي والمسرحي الكبير الذي كان يشهده نادي الوديعة الرياضي «أبها» حالياً، كما عمل مراسلاً رياضياً لصحيفة الجزيرة، وكانت الصفحة الرياضية تُفرد له مساحة مناسبة ينشر فيها وصفاً رائعا لأحداث مباريات دوري كرة القدم لأندية المنطقة الجنوبية على ملعب النادي في الخالدية بأبها، وهو أول صحفي استخدم الأسلوب الأدبي في الكتابة عن الرياضة، ولقي قبولاً كبيراً من القراء.
واشتهر بكتابة مقال أسبوعي في صحيفة عكاظ بعنوان «رزقي على الله» وهو الاسم نفسه الذي كتب تحته فيما بعد الكاتب الصحفي ثامر الميمان -رحمه الله- بعد أن استأذن من صاحبه.
وحظي البرنامج التلفزيوني «مواقف تربوية خاطئة» الذي تناول أساليب تربوية كانت تُمارس في التعليم آنذاك بردود أفعال إيجابية واسعة.
وهل يغيب عن الذاكرة البرنامج الأسبوعي «نافذة على بلدي»؟ حين طاف أغلب مناطق المملكة، وقدم لمحات تاريخية وتنموية عنها، فيما شكلت السهرة الخليجية المشتركة علامة فارقة في تاريخ التلفزيون، كونها عَرَّفَت البيت الخليجي على منطقة عسير كوجهة سياحية تستحق الزيارة والاصطياف.
كان لي المشاركة معه منذ أوائل الثمانينيات الميلادية في إعداد وتقديم مجموعة برامج عن السياحة والتنمية في المنطقة، وقراءة الأخبار عبر الجريدة المصورة، وإجراء لقاءات مع كبار المسؤولين، وتغطية مناسبات كبيرة، ومن حُسن الحظ أن أغلب تلك البرامج نجحت بفضل الله ثم بلمسات المخرج المبدع رفيق الدرب ظائف بن محمد الغامدي، ومعه كوكبة مميزة من المصورين والفنيين.
أحمد عسيري له مشاركات ناجحة في الشعر الغنائي المميز، خاصة الأغاني الوصفية، ومن أجملها، وأشهرها أغنية «ياقمر فوق الروابي» وصدح بها صوت الأرض الفنان الراحل طلال مداح، وكذلك «أبها يا حلم الربيع» التي شدا بها الفنان عبدالخالق الشهري رحمه الله، وأغنية ما «أحلى رُبى الباحة»، وغيرها من الأغاني، كما كتب أناشيد جميلة معبرة للأطفال في برنامجهم الأسبوعي الذي كان يخرجه شيخ المخرجين الصديق صافي المفتي، ومنها أنشودة «أنا بدوية وبنت الريف».
ونجح عسيري قبل أكثر من أربعة عقود عندما تم تكليفه من الرئاسة العامة لرعاية الشباب بتأسيس فرع جمعية الثقافة والفنون بأبها ورأس مجلس الإدارة، فبادر إلى إنشاء أول فرقة للفنون الشعبية، ورعى وشجع مواهب الفن التشكيلي، الرسم، التمثيل، إقامة المعارض والمسامرات، وسارع إلى رصد التراث، والتوثيق لبعض الشعراء الشعبيين المعروفين في المنطقة، وترأس لأعوام جائزة المفتاحة فرع الفنون، وكتب مسرحية كوميدية أطلق عليها«السبع دوخات».
ولأن إنجازاته كثيرة لا تُحصى أذكر منها إدارته للمكتبة العامة بأبها في مبناها الجديد، وما شهدته من نشاطات متنوعة، حتى أضحت وقتها المكان المفضل لطلاب العلم والمثقفين، وزوار المنطقة، وترأس القسم الثقافي بصحيفة الوطن في عز مجدها، ونشر مئات المقالات عبر زاويته الشهيرة داخل الأقواس».
وعندما زار «سفينة الألحان» الفنان الكبير عبدالله محمد - رحمه الله- تلفزيون أبها لإعادة تسجيل وتصوير باقة من الأغاني ومنها: " ايه ذنبي بس يا أسمر"، و" طل القمر" مكث عدة شهور، وكان يذهب لفرع جمعية الثقافة، واستقبله أحمد عسيري وقدم له العون والمساعدة والرعاية، وكان يأتي كل صباح إلى مكتبي في التلفزبون، يحدثني عن ذلك الاحتفاء والاهتمام والتقدير، ومن حُسن الحظ أنه كان ينثر ذكرياته ومواقفه الطريفة أمامي، بحضور بعض الزملاء، وهي تعكس روحه المرحة وفنه الأصيل، وبساطته.
كانت مكتبة التلفزيون مليئة بعشرات البرامج المنوعة، وهي حصيلة خمسة عشر عاما منذ افتتاح تلفزيون أبها، وقد تم تكليفي بالإشراف على تصنيفها وترقيمها مع المختص في هندسة الصوت الزميل جبريل باصهي، وبعد ذلك شارك معنا الإعلامي المثقف حسن بن محمد عسيري، وللأسف ضاعت الجهود بعد أن طالت يد الإهمال تلك الشرائط، ولو بقيت لشكلت اليوم ثروة لا تقدر بثمن لذاكرة منطقة عسير، ومرجعاً بالصوت والصورة لشواهد التنمية، والتاريخ الاجتماعي لمدينة أبها بصفة خاصة، ومنطقة عسير بصفة عامة.
أحمد عسيري تاريخ مُشَرِف، وشاهد عيان على تحولات تنموية، ثقافية، تعليمية، إعلامية، رياضية، فنية وهو شخصية وطنية بامتياز، يستحق التكريم.
وأقترح على من يهمه الأمر إطلاق اسمه على أحد الشوارع أو إحدى الحدائق في مدينة أبها.