في مشهد يتكرر يوميا، لم تعد مخالفة أنظمة العمل مجرد تجاوز فردي عابر، بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة تضرب في عمق النظام الاقتصادي والاجتماعي، وتكشف عن فجوة ، حين ترى عاملا يحمل تأشيرة سائق أو عاملا منزليا، ثم تجده يمارس أعمال السباكة والكهرباء داخل منازل الناس، فأنت لا تقف أمام مخالفة بسيطة، بل أمام خلل مركب يهدد سلامة الأفراد ويقوض هيبة الأنظمة.

هذه العمالة التي تعمل خارج نطاق تخصصها، لا تمتلك في الغالب الحد الأدنى من التأهيل أو الخبرة، ومع ذلك تقتحم أدق تفاصيل حياة الناس داخل بيوتهم، فتعبث بالبنية التحتية وتعرض الأرواح والممتلكات للخطر، كم من حريق نشب بسبب توصيل كهربائي خاطئ، وكم من كارثة مائية حدثت نتيجة عبث سباك غير مؤهل؟ إنها ليست مجرد أخطاء مهنية، بل نتائج مباشرة لغياب الردع الفعلي والتساهل في الرقابة.

لكن الصورة لا تكتمل دون الإشارة إلى طرف أكثر خطورة وتأثيرا، فمستقدمو هذه العمالة الذين تخلوا عن مسؤولياتهم النظامية، وتركوا عمالتهم سائبة في السوق مقابل مبالغ شهرية يتقاضونها دون أدنى التزام، هذا السلوك لا يمكن توصيفه على أنه إهمال فحسب، بل هو شكل صريح من أشكال التستر التجاري، وانتهاك واضح للأنظمة، بل وخيانة للأمانة الوطنية التي تقتضي حماية سوق العمل لا العبث به، فحين يتحول الاستقدام إلى باب للربح غير المشروع، فإننا أمام خلل أخلاقي قبل أن يكون نظاميا.


الأخطر من ذلك أن هذه الفوضى تخلق سوقا موازيا غير نظامي، يضرب فرص العمل النظامية، ويضعف تنافسية الكفاءات المؤهلة، ويشجع على التستر التجاري بشكل مباشر، فحين يجد المخالف بيئة خصبة للعمل دون مساءلة، فإنه يتمادى، ويصبح جزءا من منظومة غير شرعية تنمو في الظل، بعيدا عن أعين النظام.

الدولة – بلا شك – وضعت أنظمة واضحة وصارمة لتنظيم سوق العمل، وحددت لكل مهنة مسارها النظامي، لكن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق الصارم والمستمر، لا في النصوص وحدها. فالمخالفة التي لا تواجه بحزم، تتحول إلى قاعدة، والتجاوز الذي يُغض الطرف عنه، يصبح سلوكا عاما.

المسؤولية هنا لا تقع على جهة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الفرد الذي يستعين بعمالة مخالفة طلبا للسعر الأرخص، مرورا بالمتستر الذي يوفر الغطاء، وانتهاء بضرورة تكثيف الرقابة الميدانية وتفعيل العقوبات بشكل لا يقبل التأويل أو التهاون.

حماية المجتمع لا تتحقق بالشعارات، بل بإغلاق كل المنافذ التي تسمح لهذه الفوضى بالتمدد. المطلوب اليوم ليس فقط حملات موسمية، بل استراتيجية مستدامة تعيد الانضباط لسوق العمل، وتحفظ للأنظمة هيبتها، وللمجتمع أمنه، وللاقتصاد توازنه.