ما أكثر ما أثقلت السياسة والحروب كاهل الإنسان في هذا العصر.. نستيقظ على أخبار الصراعات ونمسي على صور الألم، حتى غدت أحاديثنا تدور في فلك الخلاف.. وكأن الحياة لم تعد تعرف سوى لغة التنازع والانقسام !

لكن النفس البشرية لا تعيش على الضجيج وحده، بل تحتاج إلى محطات تستريح فيها، وإلى معانٍ تعيد إليها توازنها، وتفتح نوافذ الأمل في قلبها. ولعل أجمل تلك المعاني وأقربها إلى الفطرة المحبة.

ذلك الشعور النبيل الذي يرقى بالإنسان ويمنح الحياة طعمها الحقيقي.


يقول المثل العربي: «ومن الحب ما قتل» وهو مثل يضرب في شدة التعلق حين يتجاوز حد الاعتدال.

غير أن واقعنا اليوم.. يدفعنا إلى سؤال مختلف: هل ما نراه ونسمعه هو محبة حقيقية، أم مجرد كلمات جميلة فقدت كثيرًا من مضمونها..!

لسنا هنا بصدد الحديث عن محبة الله ورسوله، فهي أجلّ المحاب وأعظمها، وإنما عن المحبة التي تجمع الناس في حياتهم اليومية:

محبة الوالدين لأبنائهم، والأبناء لوالديهم. محبة الإخوة والأصدقاء.. والجيران وشريك الحياة، وكل علاقة تقوم على الصدق والرحمة والوفاء. لقد أصبح التعبير عن المشاعر سهلًا، لكن المحافظة عليها أصعب، من أي وقت مضى.. فالكلمات تتكرر، أما المواقف الصادقة فأصبحت أقل حضورًا والمحبة لا تُقاس بما يُقال وإنما بما يُفعل:

ابتسامة صادقة، وقفة وفاء، سؤال عن غائب، عون لمحتاج، صبر عند الشدائد..

لذلك خلد الشعر العربي معاني المحبة الصادقة، لأنها كانت تُبنى على الوفاء قبل العاطفة.. ومن أجمل ما قيل للإمام الشافعي:

إذا المرءُ لا يرعاكَ إلا تكلُّفًا

فدعهُ ولا تُكثرْ عليه التأسُّفا

فالعلاقات التي تقوم على التكلف سرعان ما تذبل، أما التي تُسقى بالإخلاص، تزداد رسوخًا مع الأيام.

وقال الشاعر:

أحسنْ إلى الناسِ تستعبدْ قلوبَهمُ

فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ

وهنا تتجلى حقيقة المحبة، فهي ليست وعدًا يُقال، ومبررات قاتمة باهتة بل خلقٌ يُمارس، وإحسانٌ يُقدَّم، ورحمةٌ يشعر بها الآخر قبل أن يسمعها.

أما واقعنا الحالي، فللأسف لقد غيّرت وسائل التواصل، كثيرًا من أساليب التعبير، لكنها لم تستطع أن تصنع المحبة الحقيقية، فلا يزال الإنسان يبحث عمّن يطمئن إليه ويثق به ويجد عنده الصدق قبل الكلام والحضور عند الحاجة قبل المجاملة..!

عالمنا اليوم ليس فقيرًا في العبارات بل ربما هو أفقر ما يكون في المعاني.. لهذا نحن أحوج ما نكون إلى إعادة الاعتبار للمحبة..

بوصفها قيمة إنسانية لا شعارًا عابرًا ولا كلمة تُقال في مناسبة ثم تُنسى..

لعلنا لن نستطيع مهما حاولنا أن نغيّر صخب العالم ولا أن نوقف صراعاته، لكننا نستطيع أن نجعل دوائر حياتنا أكثر دفئًا ورحمةً وصدقًا..

فالمحبة ليست ترفًا، بل ضرورة تستقيم بها العلاقات وتطمئن بها النفوس ويزدهر بها المجتمع.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نصارح به أنفسنا: هل أصبحنا نُجيد الحديث عن المحبة أكثر مما نُجيد ممارستها، أم أن المحبة الصادقة ما زالت موجودة لكنها تختبئ في القلوب الصامتة والأفعال الصادقة بعيدًا عن ضجيج الكلمات؟

وما أحوج الإنسان في هذا الزمن إلى قلبٍ يحمل المحبة ولسانٍ ينطق بالصدق، وعملٍ يترجم المعاني، فالكلمات الجميلة تُطرب الآذان أما المحبة الصادقة.. فتُحيي القلوب.