عندما تتدفق الخواطر عن أبها، ويفوح عطر أماكنها، وينتشي حنين ذكرياتها، وتتصدر سير الراحلين الكرام صدور مجالسها، لا بد أن تُشرق معها سيرة مدينة سكنها المجد، وخيم على ربوعها السعد، وتنفس الجمال بين أحيائها وكظائمها، وظلال بيوتها وبساتينها ودروبها العتيقة، فشكلت جميعها جسورًا من حكايات النقاء والمحبة.

في مساء صيفي مبهج رفرفت ذاكرة أبها على دار القامة الاجتماعية والتربوية «حسين بن عبدالله هبيش» بحضور كوكبة جمعهم الوفاء لمدينة تركت علامات فارقة عبر تاريخها، ولها نصيب من اسمها في العادات، القيم، جبر الخواطر، التكافل ونشاطات مجتمعية راقية.

مساء أبهوي أقبل فيه التاريخ بهيبته، يجر وراءه حِقبة زمنية قرأها بأسلوبه الممتع الدكتور الأكاديمي والمؤرخ «محمد بن عبدالله آل زلفة».


فكانت كعادته قراءة ثرية ضمن سياقات تاريخية واجتماعية استندت على وثائق ودراسات علمية نقدية.

وحرص الدكتور محمد آل زلفة، على إثراء اللقاء بصور مسموعة بالغة الأهمية عن التحولات التي عاشتها أبها، وتجاربها الإنسانية وما أحاط بها من تنوع اجتماعي وثقافي وأحداث ساعدت على ذيوع شهرتها.

ولفت انتباه الحضور الحديث الضافي والممتع للقامة الاجتماعية مدير تعليم محافظة محايل الأسبق مهدي بن إبراهيم الراقدي عن محطات ومشاهد في رحلة العمر، ومنها «أيام السبرة» ورحلة العودة من خميس مشيط إلى أبها، طقوس السوق الأسبوعي «الثلاثاء»، إضافة إلى ذكرياته عن مراحل التعليم، وحي الربوع والأحياء المجاورة، وبعض الظرفاء الذين مروا على هامش المدينة.

والذي يقرأ كتاب الراقدي «من الذاكرة.. سيرة زمان ومكان» يجد فيه معايشة حقيقية اتسمت بالصدق، لحياة عاصرها وتفاعل معها.

ولم يغب عن اللقاء الحس الاقتصادي لأمين عام الغرفة التجارية الصناعية بأبها الأسبق حمدي أبو عشي، وقد تذكرت مجلة الجنوب التي أصدرتها الغرفة قبل أربعة عقود، وما نشرته من لقاءات لكبار المواطنين ورجال الأعمال، تحدثوا عن البدايات التجارية، طرق نقل البضائع، الحرف، الأسواق الشعبية.

واستأثر جمال البناء لبيوت مدينة أبها القديمة، ودروبها مداخلة أستاذ العمارة والتخطيط المهندس «صالح بن حسين قدح»، مشيرًا إلى أنها عكست حسًا هندسيًا راقيًا، وحققت منافع متعددة في تلك الأزمنة، وبقيت بعض آثارها إلى اليوم.

ورأى أهمية إسقاط الخرائط على مواقع الأحياء، لمعرفة المزيد من تكويناتها البيئية ومساحتها ومخارجها.

وإذا كان الاهتمام والحديث عن ذاكرة أبها نجد أول من لفت الانتباه إعلاميًا هو الشاعر الإعلامي «أحمد بن عبدالله عسيري»، قبل اثني عشر عاما في مقال نشرته صحيفة «الوطن» بعنوان «أبها بلا ذاكرة» ومنذ ذلك الوقت ظهرت إرهاصات هنا وهناك حول الموضوع.

واستمع المجتمعون إلى إيجاز من المهتم بذاكرة أبها البصرية أحمد بن محمد نيازي آل أبوعيسى، وقيامه قبل عقدين بإجراء لقاءات نادرة بالصوت والصورة لعدد من كبار المواطنين تحدثوا فيها عن أبها في الماضي ومنهم أحمد مطاعن، محمد أبوعجمة، محمد المطرفي، سعيد بن عياف رحمهم الله، إضافة إلى لقاء حصري، مع واحد من كبار رواد التربية والتعليم في منطقة عسير والمهتم بالتاريخ الاجتماعي «محمد بن عايض بن سرحان» احتوى على حزمة حكايات ومعلومات ذات قيمة تاريخية.

وأكد أنه يضع مكتبته البصرية، والصوتية في خدمة إصدار إلكتروني أو كتاب مطبوع عن ذاكرة أبها.

وأرجع الفنان التشكيلي عبدالله بن شاهر عسيري إلى الأذهان اللقاء الأول لملتقى أهل أبها السنوي قبل سبعة عشر عامًا، وتبنى فكرته وانطلاقته مع رفيق دربه أحمد نيازي، واستمر ثلاثة أعوام بدعم المهندس صالح قدح.

وأكد أن تلك الملتقيات أسهمت في حفظ بعض مظاهر الحياة القديمة في أبها، ومنها العادات، الألعاب الشعبية، ملابس الأطفال، استقبال شهر رمضان، فرحة العيد، إضاءة الشوارع «بالأتاريك».

والفنان شاهر له جهود مبكرة مشكورة، ولا تكاد تخلو لوحاته وأعماله من ملامح أبها، بل رصد في كتابه «شفت أبها» رحلة شيقة، تنقل بين أحيائها بعين الفنان، وقلب العاشق ليزيح الستار عن معلومات السكان، المزارع، الدكاكين، وبعض الزوايا التي كشفت بساطة الحياة، لكنها أثرت في حياة مجتمع كان يميل إلى الإنتاج، والإبداع.

وأعتقد أن مشروع ذاكرة أبها حصلت له نقطة تحول في ذلك اللقاء، وما سيتبعه من لقاءات أخرى بإذن الله الأمر الذي جعل سقف الآمال مرتفعًا بما يتناسب وحجم الطموحات على إنجازه كعمل ثقافي تاريخي، يتم الإعداد له بخطوات متأنية ومدروسة، وهذا ما حرص عليه «أبوطه» بتوفير أجواء من عبق الماضي في مجلس عسيري يزخر بالتراث، توزعت على جدرانه أكثر من مائة صورة نادرة، استدعت الذكريات وسط أجواء مفعمة بنبض الأصالة والجمال.