عندما يخرج المريض من موعده الطبي، تصله أحياناً رسالة تسأله عن تجربته:

هل كان الحصول على الموعد سهلاً، هل عامله الفريق الصحي باحترام، وهل استمع الطبيب إليه وشرح له خطته العلاجية بوضوح؟

يتلقى الرسالة نفسها بعد زيارة قسم الطوارئ أو الخروج من المستشفى.


هذه الممارسة ليست مجرد إجراء علاقات عامة، بل جزء من برنامج وطني واسع لقياس تجربة المرضى. تستخدم فيه وزارة الصحة استبيانات مستقلة مصممة لكل رحلة علاجية، بالتعاون مع شركة «Press Ganey» وشريكها الإقليمي، بهدف مقارنة أداء المنشآت وتحديد فرص التحسين.

ولكن السؤال الأهم ليس: هل نسأل المريض عن تجربته؟ بل: هل تتغير الخدمة فعلاً استجابة لما يقوله؟

لقد أصبح شعار "المريض أولاً" هدفاً معلناً في التحول الصحي السعودي. وتؤكد استراتيجية وزارة الصحة أهمية سهولة الحصول على الخدمات، وتقديم رعاية متكاملة وعالية الجودة، وتحقيق أفضل النتائج للمستفيدين. كما يعرض تقرير منجزات تحول القطاع الصحي لعام 2025 تقدماً ملموساً؛ إذ وصلت الخدمات الصحية إلى 97.5 في المئة من التجمعات السكانية، وتجاوز مستخدمو تطبيق «صحتي» 31 مليوناً، وانتشرت أكثر من ألفي منشأة للرعاية الصحية الأولية في مناطق المملكة، إلى جانب التوسع في الرعاية الافتراضية والوصفات الإلكترونية وتبادل البيانات الصحية.

هذه منجزات مهمة لا يمكن التقليل من أثرها في تقريب الخدمة من المواطن والمقيم. غير أن توفر الخدمة رقمياً أو جغرافياً لا يعني بالضرورة أن رحلة المريض أصبحت سهلة ومتكاملة، كما أن ارتفاع نسبة الرضا لا يثبت وحده أن الرعاية أصبحت تضع المريض في مركز قراراتها.

فالمريض لا يرى الهيكل التنظيمي، ولا يعرف أين تنتهي مسؤولية مركز الرعاية الأولية وتبدأ مسؤولية المستشفى أو التجمع الصحي. هو يرى رحلة واحدة تبدأ بعرَضٍ يقلقه، ثم موعد، وتشخيص وعلاج ومتابعة. وقد يحصل على خدمة ممتازة داخل كل قسم على حدة، لكنه يواجه صعوبة عند الانتقال بين الرعاية الأولية والاستشاري في تخصص معين، وبين العيادة والمختبر والصيدلية، وبين الخروج من المستشفى والمتابعة في المنزل. وهنا يظهر الفرق بين جودة الخدمة المنفردة وجودة رحلة المريض كاملة.

الرعاية التي تجعل المريض مركز اهتمامها لا تعني أن تتحقق جميع رغباته، ولا أن يختار علاجاً لا يتفق مع الدليل العلمي. معناها أن تُبنى الخدمة حول احتياجاته الصحية الحقيقية، وأن يُعامل شريكاً في القرار لا متلقياً صامتاً له. وتعني أن يفهم تشخيصه وخيارات العلاج وما ينتظر منه بعد مغادرة المنشأة، وأن تُراعى ظروفه الأسرية والاجتماعية وقدرته على الوصول إلى الرعاية والالتزام بالخطة العلاجية.

وهي تبدأ قبل دخول المريض إلى المستشفى: من سهولة حصوله على موعد مناسب، ووصوله إلى المكان الصحيح منذ البداية، وعدم اضطراره إلى زيارة الطوارئ بسبب غياب البديل. وتستمر أثناء تلقي الرعاية من خلال الاستماع إليه واحترام خصوصيته وإشراكه في القرار. ولا تنتهي بخروجه من العيادة أو المستشفى، بل تمتد إلى المتابعة، وتوفير الدواء، ومراقبة التحسن، والتدخل المبكر عند حدوث مشكلة.

لهذا، لا ينبغي أن نحمّل المريض مسؤولية تنسيق رحلة صممتها المنظومة. ليس من المنطقي أن يصبح هو حلقة الوصل بين طبيب الأسرة والاستشاري المختص، أو أن يحمل نتائج فحوصه من منشأة إلى أخرى، أو أن يبحث بنفسه عمن يشرح له تضارب التعليمات العلاجية. عندما تكون الرعاية متكاملة، تنتقل المعلومات والمسؤولية بين مقدمي الخدمة، ولا يُترك المريض وحيداً بين حدود المؤسسات والتخصصات.

وقد حققت المملكة تقدماً ملحوظاً في قياس تجربة المرضى على نطاق واسع. فقد شملت دراسة وطنية حديثة أكثر من 2.17 مليون استجابة من مراجعي مراكز الرعاية الصحية الأولية في التجمعات الصحية خلال الأعوام من 2022 إلى 2024، وأظهرت تحسناً عاماً في مستويات الرضا. وهذا الحجم من البيانات يمثل ثروة وطنية يمكن أن تكشف الفروق بين المناطق والمنشآت والفئات السكانية، وأن تساعد القيادات على تحديد جوانب القصور بدقة.

لكن البيانات لا تحسن الخدمة بذاتها. قيمتها تبدأ عندما تتحول إلى سؤال إداري واضح: ما السبب وراء انخفاض تقييم هذه الرحلة؟ ومن المسؤول عن معالجته؟ وما الإجراء الذي اتُّخذ؟ وهل تحسنت النتيجة بعد ذلك؟

كما أن «رضا المستفيد» لا يكفي وحده لقياس نجاح الرعاية. فالرضا يتأثر بتوقعات المريض وثقافته وتجربته السابقة، وقد يعبّر عن انطباعه تجاه زيارة واحدة. وقد يكون المريض راضياً عن لطف الطبيب، لكنه انتظر طويلاً، أو خرج دون خطة متابعة واضحة، أو عاد إلى الطوارئ لأن التواصل بين مستويات الرعاية لم يكتمل. ولذلك تحتاج الرعاية التي تضعه أولاً إلى مؤشرات أوسع: هل تحسنت حالته الصحية؟ هل تجنّب مضاعفات كان يمكن منعها؟ هل عاد إلى عمله ونشاطه المعتاد؟ وهل كانت الخطة العلاجية ملائمة لما يهمه في حياته؟

وفي هذا الاتجاه، شاركت المملكة في المسح الدولي لمؤشرات المرضى (PaRIS) الذي أطلقته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، وهي منظمة دولية مستقلة- وليست تابعة لمنظمة الصحة العالمية- تُعنى بمقارنة السياسات وأداء الأنظمة بين الدول. ويستهدف المسح مستخدمي الرعاية الأولية ممن بلغوا 45 عاماً فأكثر، لا سيما المصابين بأمراض مزمنة، ويجمع بين النتائج التي يبلّغ عنها المرضى بأنفسهم (PROMs)، مثل الصحة الجسدية والنفسية والقدرة على أداء أدوارهم اليومية، وبين خبراتهم في الوصول والتواصل والمشاركة والتنسيق (PREMs). وبهذا ينتقل القياس من سؤال: «هل أعجبتك الزيارة؟» إلى سؤالين أكثر نضجاً: «هل حسّنت الرعاية صحتك وحياتك؟ وهل كانت رحلتك مترابطة حول احتياجاتك؟».

وفي النتائج الخاصة بالمملكة، التي استندت إلى 7.579 مريضاً و100 منشأة للرعاية الأولية، أفاد 87 في المئة برعاية جيدة تركز على احتياجات المريض، و89 في المئة بجودة جيدة للرعاية، و74 في المئة بالثقة في النظام الصحي. لكن 37 في المئة فقط أفادوا بتنسيق جيد للرعاية، مقارنة بمتوسط بلغ 59 في المئة في الدول المشاركة. وهذه النتيجة لا تقلل من المنجز، بل تحدد بدقة أين ينبغي أن تتجه المرحلة التالية من التحول.

والمفارقة هنا ذات قيمة تعليمية للقيادات: قد تكون المقابلة الطبية جيدة، والثقة مرتفعة، لكن المريض يظل يواجه انقطاعاً بين طبيب الأسرة والاستشاري، والمختبر والصيدلية والمتابعة. أي إن جودة نقاط الخدمة لا تضمن جودة الوصلات بينها. ومن ثم فإن صوت المريض لا يقيس أداء المنشأة فقط، بل يختبر قدرة النظام كله على العمل كرحلة واحدة. وعندئذ تتحول تجربة المريض من مؤشر رضا يُعرض في لوحة الأداء إلى أداة حوكمة تكشف مواضع انقطاع الرحلة، وهدر الوقت والموارد، والنتائج التي ينبغي أن ترتبط بمساءلة القيادات والتعاقد والتمويل.

وهنا تبرز أمام القيادات الصحية خمس نقلات ضرورية إذا أردنا أن تصبح تجربة المريض قوة دافعة للتحول، لا مجرد مؤشر يظهر في لوحة الأداء.

النقلة الأولى هي الانتقال من قياس رضا الزيارة إلى قياس قيمة الرحلة. ويعني ذلك الجمع بين تجربة المريض، والنتائج التي يبلّغ عنها بنفسه، والنتائج السريرية، وسلامة الرعاية، والوقت والجهد اللذين تحمّلهما للوصول إليها. فالعملية الطبية قد تكون ناجحة من منظور الفريق المعالج، لكن المريض لا يزال يعاني ألماً يحد من حياته، وقد تتحسن أرقام الفحوص بينما لا يستطيع العودة إلى عمله أو ممارسة نشاطه المعتاد. الرعاية الحقيقية لا تسأل فقط: ماذا فعلنا للمريض؟ بل تسأل أيضاً: ما الذي تغيّر في حياته نتيجة لما فعلناه؟

أما النقلة الثانية فهي الانتقال من إدارة المنشآت إلى إدارة المسارات. فالمريض لا يعبر «أقساماً» في نظره، بل يعبر مراحل من المرض والتعافي. لذلك ينبغي أن يكون لكل مسار رئيسي، مثل السكري أو السرطان أو الحمل والولادة أو رعاية كبار السن، قائد مسؤول عن نتائج الرحلة كاملة، لا عن أداء قسم واحد منها. ومن المفيد هنا تطوير «مؤشر عبء رحلة المريض» الذي يقيس عدد المواعيد والاتصالات والنماذج والفحوص المكررة، وأيام الانتظار، والمسافة التي يقطعها المريض، لاكتشاف التعقيد الذي لا يظهر في مؤشرات الجودة التقليدية.

والنقلة الثالثة هي الانتقال من الاستماع إلى المريض إلى الشراكة معه في التصميم. فالاستبيان يخبرنا بما حدث، لكنه لا يكفي وحده لإعادة بناء الخدمة. يمكن للتجمعات والمنشآت أن تشرك المرضى وأسرهم، خصوصاً أصحاب الأمراض المزمنة وذوي الإعاقة وكبار السن وسكان المناطق البعيدة، في تصميم مسارات الرعاية وتعليمات الخروج والخدمات الرقمية. وهذا ما تسميه منظمة الصحة العالمية «الإنتاج المشترك» للرعاية؛ أي ألا تُصمم الخدمة للمريض من بعيد، بل تُصمم معه وبالاستفادة من خبرته الحية.

والنقلة الرابعة هي الانتقال من المتوسط العام إلى عدالة التجربة. فمتوسط رضا مرتفع قد يخفي خلفه فئة لا تصل إلى الخدمة بسهولة، أو منطقة تعاني طول الانتظار، أو مريضاً مسناً لا يستطيع استخدام التطبيق، أو شخصاً ذا إعاقة يواجه عوائق في المبنى أو التواصل. لذلك يجب تحليل النتائج بحسب المنطقة والعمر والجنس والحالة الصحية والإعاقة والقدرة الرقمية، لأن التحول الرقمي الذي يسهّل الخدمة للملايين قد يتحول إلى بوابة جديدة تعيق من لا يملك المهارة أو الوسيلة المناسبة.

أما النقلة الخامسة فهي الانتقال من جمع البيانات إلى بناء منظومة تتعلم منها. وهذا يتطلب لوحة متابعة لا تعرض الدرجة فقط، بل توضح سبب المشكلة، والمسؤول عنها، وخطة معالجتها، والمدة المحددة، وما إذا كان التحسن قد استمر. كما ينبغي أن ترتبط مؤشرات الرحلة والنتائج التي تهم المريض بتقييم القيادات والمسارات والعقود، لا أن تبقى مسؤولية إدارة تجربة المريض وحدها. ومن أجمل صور إغلاق دائرة الاستماع أن تقول المنشأة للمجتمع بوضوح: «قلتم لنا... فغيّرنا». عندها يدرك المريض أن مشاركته لم تذهب إلى أرشيف الاستبيانات.

وتجربة المريض ليست مسألة تجميلية أو نشاطاً موازياً للتحول الصحي. إنها تمس جودة الرعاية وكفاءتها وتمويلها وتصميم القوى العاملة والتحول الرقمي. فالرحلة الواضحة والمتصلة تقلل تكرار الفحوص، وتمنع ضياع المسؤولية، وتدعم الالتزام بالعلاج، وتساعد على التدخل قبل أن تتحول المشكلة إلى زيارة طارئة أو تنويم يمكن تجنبه. ولهذا فإن وضع المريض أولاً ليس شعاراً أخلاقياً فحسب، بل طريقة أكثر نضجاً لإدارة النظام الصحي.

لقد قطعت الرعاية الصحية السعودية شوطاً مهماً في توسيع الوصول، ورقمنة الخدمات، وقياس تجربة المستفيد، وبناء بنية مؤسسية تستمع إلى صوت المريض. والمرحلة المقبلة ليست في زيادة عدد الاستبيانات فقط، بل في تحويل صوت المريض إلى قرارات تشغيلية، ومسارات متكاملة، ونتائج صحية، ومساءلة قيادية.

يمكن القول إن تجربة المريض يجب أن تصبح «نظام الملاحة» للتحول الصحي، فهي التي تكشف ما إذا كانت الخطط والهياكل والتقنيات الجديدة قد وصلت فعلاً إلى حياة الإنسان. والتحول الحقيقي يبدأ عندما لا يحتاج المريض إلى فهم تعقيد المنظومة لكي يحصل على رعاية واضحة وآمنة ومتصلة.

فالمنظومة التي تضع المريض أولاً لا تقيس نجاحها بعدد المواعيد أو الزيارات والإجراءات وحدها، بل بقدرتها على حفظ وقته وكرامته، وإشراكه في القرار، وتحقيق نتائج صحية تهمه فعلاً.

والمنظومة التي تضع المريض أولاً لا تكتفي بأن تسأله عن تجربته؛ بل تثبت له أن إجابته غيّرت شيئاً.