عندما يأمن الفاسد من العقاب، لا يعود الفساد مجرد انحراف فردي، بل يصير اعتيادا يتنفس من رئتيه الكرامة المسلوبة والحقوق المنهوبة. وما يُفزع حقًا ليس الفساد بذاته، بل الصمت الذي يلفه، واليد التي تحميه، كأنما الفساد طفل مدلل لا يُحاسب على شقاوته.

في ظل غياب الضمير يتسلق الفاسدون درجات الترقي لا بكفاءة ولا بجدارة، بل بقدرتهم على تزييف الوقائع وشراء الذمم، وعندما يُفضح أمرهم، لا يُحاسَبون، بل يُحاصَرون بدرعٍ من الحماية التي تُدافع عنهم لا لأنهم أبرياء، بل لأنهم أدوات في يد من يدافع، أو لأن الفضيحة إن انكشفت ستكشف معها ما هو أعمق وأخطر.

دفاع القيادات في بعض الأماكن والإدارات عن الفاسدين ليس مجرد خطأ إداري، بل إعلانٌ صريحٌ بأن المؤسسة قد تخلت عن روحها. فالقيادي الذي يتستر على فساد مرؤوسه، أو يُبرره بذرائع واهية، لا يحمي موظفًا بعينه فحسب، بل يُسمم البيئة بأكملها، ويُرسي قاعدةً مُدمرةً مفادها أن الولاء للشخص أعلى من الولاء للمبادئ. ومن هنا تبدأ الكارثة؛ فالنزيه يرى نفسه غريبًا في تلك المنظومة، والمُفسد يرى نفسه فوق القانون، ومجتمع المنظومة بأسره يُصاب بمرض اليأس المُزمن الذي لا يُعالجه سوى العدالة الصارمة.


غياب الحوكمة والدفاع عن الفاسدين وجهان لعملةٍ واحدة مُزيفة تُباع للناس على أنها نزيهة، بينما هي في الحقيقة سوقٌ للصفقات المشبوهة، وملتقى للمصالح المتبادلة على حساب المصلحة العامة. والمأساة الحقيقية أن هذا الدفاع لا يأتي دائما من فراغ، بل غالبا ما يكون ثمرة تواطؤ خفي، أو خوفٍ من أن تُفتح نوافذ تكشف ما وراء الكواليس.

لكن ما يُشعل هذا الفساد ويُضخم جذوره هو غياب الرقابة. فالرقابة إن لم تكن حية وقادرة على المباغتة والمُحاسبة، صارت مجرد ديكور يُزيّن به المفسدون مكاتبهم، ويُبررون فسادهم بأنهم خضعوا لعمليات تفتيش ولم يُعثر على شيء.

غياب الرقابة يعني أن الفاسد يتصرف وكأنه في جزيرة معزولة عن العالم، فيسرق بيد مفتوحة ويُوقّع باسم مُزيّف ويُبرم الصفقات في ظلام تام. والأدهى أن الرقابة أحيانا تكون موجودة في الشكل فحسب، تتجول في المكان وتلتقط الصور، بينما تتعمد ألا ترى ما يجب أن تراه، أو تراه فتُغمض عينها، لأنها تعلم أن من يُحاسب اليوم قد يكون حاميا غدا، وأن من يفضح الفساد قد يُفضح هو نفسه في يوم ما.

وحين تتكاثر هذه العوامل، يُصبح موت النزاهة أمرا حتميا، وبموت كل صوت صادق يُصمت، وبموت كل قانون يُنتهك دون رادع، يُصبح الصدق عيبا، والشفافية جريمة، والمحاسبة مُغامرة لا يُقدم عليها إلا الأغبياء أو الأبطال. وعندما تموت الشفافية، لا يعود الناس يسألون عن الحق، بل يسألون عن الربح، ولا يُقيمون العدل، بل يُقيمون المصالح. يتحول المجتمع إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف، ويُبرر فيها الجميع فعلتهم بأن الجميع يفعلونها، فلماذا يكونون هم الاستثناء؟

في النهاية، لا يقتل الفساد المؤسسات بفعل الفاسدين أنفسهم، بل بفعل ذلك الفراغ الذي يتركه غياب الحوكمة، وذلك العمى الرقابي الذي يغض الطرف عن الجريمة. فالعدالة إن لم تكن شاملة وصارمة، صارت مجرد كلمة جوفاء، والقانون إن لم يُطبق على الجميع دون استثناء، صار أشد ظلما من الظلم نفسه. وما دام الفاسد يأمن من العقاب، يستمر فساد المؤسسات.

لكن التاريخ لا يرحم، الذي يظن أنه فوق الزمن، وأن جرائمه ستذوب في دهاليز النسيان، إنما يُغشّي عينيه بيديه. فالتاريخ دائما ما يفضح، وإن بعد حين. تلك الأسماء التي تباهت بسلطتها واستعلت على القانون، تسقط يوما فلا يبقي لها ذكر سوى العار الملتصق بها. إن الفاسدين إلى مزبلة التاريخ صائرون، حيث لا يُحفظ من الإنسان إلا ما تركه من سمعة طيبة، ولا يُخلّد إلا من بنى للناس خيرا، أما من بنى لنفسه على أنقاضهم، فإنه يذهب كما ذهب من قبله: مُهانا مذموما، مطروحا في زوايا النسيان كورقة يابسة تتطاير بأول نسمة من رياح الحقيقة.

فليعلم المُفسد أن التاريخ لا يُقيم وزنا للذين فسدوا، بل يُقيم وزنا للذين آمنوا وأصلحوا. ومزبلة التاريخ لا تُفرّق بين كبير وصغير، بل تبتلع كل من ظن أنه فوق المحاسبة، فأصبح تحتها.