فالمشهور، في نهاية المطاف، ليس سوى نتيجة، أما السبب الحقيقي فيكمن في المجتمع الذي صنع الطلب، وخلق السوق، وأقنع نفسه بأن الحضور لا يكتمل إلا بعدسة، وأن النجاح لا يُقاس إلا بعدد المشاهدات، وأن المكانة الاجتماعية يمكن شراؤها بمقطع متداول.
لقد تغيرت فلسفة المناسبات عند البعض. كانت في الماضي مساحة للفرح، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، وإحياء القيم الاجتماعية النبيلة. أما اليوم، فقد تحولت لدى فئة ليست بالقليلة إلى مسرح مفتوح للإبهار البصري، تتصدره الكاميرات قبل الضيوف، وتُصنع فيه اللقطات قبل أن تُعاش اللحظات.
ترى الموائد تُرتب لتبدو أكثر جمالًا أمام العدسة، والهدايا تُعرض بعناية، والسيارات تصطف في مشهد محسوب، والزوايا تُختار بدقة، ثم تبدأ التعليمات: "صوّرني"... "أعد اللقطة"... "خذها من هذه الزاوية"... حتى أصبح الحدث يُدار بعقلية المخرج، لا بروح المضيف.
ولم يعد الهدف توثيق المناسبة، بل صناعة انطباع عنها. فهناك فرق شاسع بين أن توثق حدثًا وقع، وبين أن تصنع حدثًا من أجل التوثيق.
والأكثر خطورة أن هذه الثقافة لم تعد حكرًا على بعض المشاهير، بل أصبحت جزءًا من سلوك اجتماعي يتسع عامًا بعد عام. فبعض أصحاب المناسبات يعتقد أن نجاح حفله يُقاس بعدد المقاطع المتداولة، وأن قيمة المناسبة ترتفع كلما ظهر اسمها في المنصات الرقمية، حتى غدا التصفيق الإلكتروني بديلًا عن التقدير الحقيقي.
ومن هنا، فإن تحميل المشهور وحده المسؤولية ليس سوى قراءة سطحية للمشهد. فهو لم يفرض نفسه على أحد، ولم يدخل مناسبة دون دعوة، ولم يحمل كاميرته إلى مجلس لم يُطلب منه حضوره، وإنما يؤدي دورًا وجد من يطلبه، ويدفع ثمنه، ويمنحه مساحة الانتشار.
إن السوق لا يصنعها البائع وحده، وإنما يصنعها المشتري أيضًا. ولو لم يوجد من يشتري المديح، لما ازدهرت تجارة المديح، ولو لم يوجد من يبحث عن الأضواء، لما وجد من يبيعها. إنها علاقة متبادلة، يغذي فيها كل طرف الآخر.
والمؤسف أن هذا المشهد ألقى بظلاله على الجيل الجديد، حتى أصبح بعض الشباب يعتقد أن الشهرة إنجاز، وأن الظهور نجاح، وأن كثرة المتابعين تعني قيمة الإنسان، بينما تتراجع في المقابل نماذج العلماء، والمبدعين، والباحثين، والمخترعين، وأصحاب المبادرات المجتمعية، الذين يبنون الأوطان بصمت، ولا يجدون جزءًا يسيرًا من الاهتمام الذي يحظى به صانع محتوى عابر.
ولا أحد يعترض على الإعلام، ولا على التوثيق، ولا على صناعة المحتوى حين يكون هادفًا وراقيًا، فهذه أدوات حضارية تسهم في نقل التجارب الناجحة وتعزيز الصورة الإيجابية للمجتمع. لكن الاعتراض يبدأ عندما تتحول الكاميرا من وسيلة إلى غاية، ومن شاهد على الإنجاز إلى صانع لوهم الإنجاز.
أصبح بعض الناس يعيش المناسبة بعين العدسة أكثر مما يعيشها بقلبه، ويبحث عن إعجاب الغرباء أكثر من تقدير الأقارب، ويهتم بما سيُقال في المنصات أكثر من اهتمامه بما سيبقى في الذاكرة.
ولو اختفى المشاهير جميعًا غدًا، فلن تختفي هذه الظاهرة، لأن جذورها أعمق من الأشخاص. سيظهر غيرهم ما دام هناك من يمول الاستعراض، ويشتري التصفيق، ويمنح الصورة قيمة أكبر من الحقيقة.
المسألة ليست قضية مشاهير، بل مشكلة ثقافة تحتاج إلى مراجعة. ثقافة ربطت النجاح بالانتشار، والوجاهة بالظهور، والقيمة بعدد المشاهدات، حتى أصبح كثيرون يطاردون الصورة، بينما يفقدون الجوهر.
ومع ذلك، فإن هذا الطرح لا ينبغي أن يُفهم على أنه حكم على جميع المشاهير أو صُنّاع المحتوى. فهناك من قدّم محتوى معرفيًا وثقافيًا وتوعويًا وإبداعيًا، وأسهم في بناء الوعي، وخدمة المجتمع، وإبراز النماذج المشرقة، وأثبت أن الشهرة يمكن أن تكون رسالة قبل أن تكون وسيلة للانتشار.
أما المشكلة الحقيقية، فليست في الشهرة ذاتها، ولا في كل مشهور، وإنما في ثقافةٍ صنعت من الاستعراض قيمة، ومن المظاهر إنجازًا، ومن عدد المشاهدات معيارًا للتأثير. لذلك، فإن معالجة الظاهرة لا تبدأ بمحاكمة المشاهير، بل بإعادة النظر في المعايير التي نصنع بها نجومنا، ونمنح بها الأضواء لمن يستحقها.