مع إطلاق موسم صيف عسير 2026 تحت شعار #السما_أرضك، لا يقتصر الأمر على تنظيم فعاليات أو استقطاب زوار، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة تشكيل مفهوم الوجهة السياحية وصناعة تجربة متكاملة تنطلق من هوية المكان وتترجم مقوماته إلى قيمة اقتصادية وثقافية وإنسانية مستدامة.

لم تعد المدن تتنافس على المعالم وحدها، بل على قدرتها في صناعة المعنى والذاكرة والانتماء، فالمعالم يمكن أن تتشابه، أما المشاعر التي يختبرها الزائر والقصص التي يحملها معه بعد الرحلة فهي ما يصنع الفارق الحقيقي بين وجهة عادية ووجهة عالمية.

أكثر ما شد انتباهي في الحملة الترويجية لصيف عسير 2026 أنها لم تبدأ من الفعالية، بل من الهوية، وهذه نقطة جوهرية تغيب عن كثير من الحملات السياحية التي تركز على الإجابة عن سؤال: ماذا سيحدث؟


بينما تركز الوجهات الناجحة على سؤال أكثر أهمية: ماذا سيشعر الزائر؟

ما تعلمناه من التجارب العالمية في بناء الوجهات أن التنافس الحقيقي لا يدور حول امتلاك أجمل المشاهد أو أكبر الفعاليات، بل حول القدرة على تحويل مقومات المكان إلى تجربة إنسانية متكاملة، فحين يصبح الجبل قصة، والطريق مغامرة، والثقافة تجربة معاشة، والطبيعة مصدر إلهام، تتحول الوجهة من مكان يُزار إلى ذكرى يصعب نسيانها.

ومن هذا المنطلق أرى أن #السما_أرضك يمثل أكثر من شعار ترويجي، إنه وعد مكاني يعكس ما يمكن أن يعيشه الزائر في عسير، وعد يربط بين الإنسان والمكان، ويختصر هوية منطقة تمتلك تنوعًا طبيعيًا وثقافيًا استثنائيًا وتسعى إلى تقديم تجربة أصيلة تتجاوز المفهوم التقليدي للسياحة.

كما تعكس الحملة فهمًا مهنيًا متقدمًا لمبادئ تسويق المدن وصناعة الوجهات من خلال توحيد الهوية البصرية والرسائل الاتصالية والتجارب السياحية ضمن قصة واحدة متماسكة، وهذا ما يجعلها، من وجهة نظري، نموذجًا يستحق التأمل والدراسة لكل المهتمين ببناء العلامات المكانية والوجهات التنافسية.

والأهم من ذلك أن بناء الوجهة لا يستهدف الزائر وحده، فالمدن الأكثر تنافسية في العالم تنظر إلى العلامة المكانية باعتبارها أداة لجذب الاستثمار والكفاءات وتحسين جودة الحياة وتعزيز الانتماء لدى السكان، وعندما تنجح الوجهة في تحقيق هذا التوازن، فإن أثرها يتجاوز الموسم ليصبح جزءًا من التنمية طويلة المدى.

فالوجهات الناجحة لا تبيع مواقعها الجغرافية، بل تبني مكانتها في أذهان الناس. ولا تكتفي بجذب الزوار، بل تصنع ارتباطًا يدفعهم للعودة، أو التوصية بها، أو الاحتفاظ بها كواحدة من أجمل تجاربهم.

عندما تنجح الوجهة في تحويل طبيعتها وثقافتها وإنسانها إلى قصة يرويها الزوار بأنفسهم، فإنها تتجاوز مرحلة التسويق وتدخل مرحلة صناعة المكانة، وأعتقد أن هذا هو التحول الذي نشهده اليوم في عسير، وهو ما يجعلها تقترب أكثر من الوعد الذي رسمته رؤية المملكة 2030 أن تكون وجهة عالمية تُلهم العالم وتبقى في الذاكرة.