الجنين في رحم أمه ليس إنساناً مؤجلاً، ولا بروفة مشروع يحتمل التعديل متى أردنا، هو إنسان يتكوّن يومًا بعد يوم، ما يفسد منه لا يمكن دائماً إصلاحه، كائن يتأثر، بصحة أمه ونفسيتها وطعامها وما تتناوله وما تتجنبه وما تتابعه،وما تهمله، لذلك متابعة الحمل ليست رفاهية، وليست مجرد صور تذكارية للجنين، أو معرفة نوعه، بل وسيلة لحماية حياة قد تتعرض للخطر قبل أن ترى النور. فكم من مشكلة كان يمكن اكتشافها، ارتفاع ضغط، سكري حمل، فقر دم شديد، التهابات بكتيرية أو فيروسية، نقص في نمو الجنين، مشيمة في موضع خطر، أو عيب يحتاج إلى تجهيز فريق متخصص لحظة الولادة. ليست كل هذه الأمور قابلة للمنع، لكن كثيراً من مضاعفاتها يمكن تقليلها، وعديد من المواليد يمكن إنقاذهم إذا عرفنا الخطر قبل أن يفاجئنا.

لأن الحمل يحدث عند كل الثدييات، تختار أم عدم المتابعة، فالأمر يبدو عند البعض مضيعة وقت، وأحيانا هدر مالي بالذات عند اختيارها لمستشفى خاص. ويحدث أكثر عندما تكون الأم أنجبت كثيرا من الأطفال من قبل، وتؤمن بأن التجربة خير من ألف طبيب. الأمر المحزن حينما تضطر أمّ لفعل ذلك، إذا كان حملاً غير مرغوب به لأي سبب، فتختار أن تختبئ بحملها، وكثيرا ما يتم توليدها في المنزل، تتعسر الولادة، ليخرج مولودها إلى الدنيا دون أن يبكي. يتركونه يعاني، وغالباً لن يموت، بل يبقى، فتستيقظ إنسانية أحدهم ويأتي به إلى المستشفى، لنكتشف إصابته بنقص في الأكسجين، لا ينقذه علاج التبريد، لأن الوقت تأخر، يعاني من اضطراب في وظائف الأعضاء وتشنجات متكررة، ليعيش بقية حياته معاقا شاهداً على ظلمه. لم يكف أنه طفل لم يُرغب في إنجابه، بل دفع ضريبة ذلك، ليس الأطفال المنبوذون وحدهم، تبدأ حياتهم ميتة، بل حتى هؤلاء، الذين يولدون لـ«مقيمين غير نظاميين»، أو زوجات العمال الفقراء، الذين يجدون في الدايات حلاً لتوليد زوجاتهم في المنازل، دون خسارة، يقطعون الحبل السري أحيانا بمقص، أو ماتيسر من «عدة» لديهم، وبعدما يمضي المولود يومين دون القدرة على الرضاعة، يذهبون به إلى أقرب مستشفي. كم يحزنني أن أجد مولودا مكتملا، وزنه طبيعي، كالورد لا ينقصه سوى الحياة، مدمر دماغه. المشكلة أن كلفة علاج وتنويم طفل في العناية المركزة لحديثي الولادة، أكثر بكثير من ولادة طبيعية في المستشفى، أو عبر عملية قيصرية إذا تعسرت الطبيعية، ويخرجون نهاية الأمر يحملون طفلاً سليماً بين أيديهم، يحبو، يكبر، يحلم ويحقق حلمه.

كثير من القصص وقفت عليها، كان الإنسان أرخص مافيها، وأد بطيئ، فالأمر ليس مجرد، ظرفٍ قاسٍ، بل تقصير في حق إنسان لم يكن يملك من الأمر شيئا، وإلا ربما اختار ألا يولد لهذين الأبوين، وفي الأغلب لتمنى إسقاطه وأصبح نسياً منسياً.


ربما عدم الذهاب للمستشفى يكون خياراً لدى بعض الأمهات، فمن أخطر الأفكار التي تنتشر بين بعض الحوامل، تأخير الذهاب إلى المستشفى عند بدء الطلق، خوفاً من التدخلات الطبية، أو رغبة في أن تحدث الولادة وحدها كما سمعن من تجارب الآخريات.

فتنتظر الأم في منزلها رغم الألم المتصاعد، أو محدودية حركة الجنين، أو نزول ماء الرأس، أو طولٍ غير طبيعي في ساعات المخاض؛ ثم تصل متأخرة، وقد يكون الطفل قد أمضى وقتاً عصيباً داخل الرحم، وتعرّض لنقص الأكسجين، ومات دماغه قبل أن يتنفس.

الذهاب المبكر إلى المستشفى لا يعني سلب الأم حقها في الولادة الطبيعية، ولا أن تُفرض عليها إجراءات لا تحتاجها، بل يعني ولادة طبيعية آمنة، تحت الملاحظة وبإشراف المختصين، وأن يكون التدخل متاحاً في الدقيقة التي يتحول فيها الانتظار من صبرٍ آمن إلى خطرٍ لا يحتمل التأخير.

الأمومة ليست فقط حباً فطرياً، والأبوة ليست دماء تجري في العروق، بل هي وعي ومسؤولية وأمان، فالطفل لا يطلب من والديه الكمال، لكنه يستحق أن يقدّما سلامته على مفاهيمهم ورغباتهم، وأن يتذكرا دائماً أن كل قرار يُتخذ في الحمل والولادة هو نواة حياة إنسان ومحورها.