يقول ابن تنباك في تغريدته واصفا تأثير ديكارت في العقلية الأوروبية بقوله: «ومن هنا فك القيد الذي طوقت به الكنيسة العقل الأوروبي ردحا من الزمن وأطلقه للتفكير في الطبيعة وما وراء الطبيعة، وبدأت أوروبا والغرب كله اكتشافاتها واختراعاتها التي يعيشها العالم منذ أواخر القرن السادس عشر والسابع عشر الميلادي إلى يوم الناس هذا، وليس آخرها تحرر العقل الأوروبي للتفكير واكتشافاته واختراق الطبيعة وما وراءها وصول الإنسان إلى الابتكارات الهائلة التي نشهدها في الحاضر وآخرها الذكاء الاصطناعي».
الفكرة التي يقدمها ابن تنباك هنا تمثل قراءة شائعة ومكررة وتبدو من المسلمات في الأدبيات العربية والغربية لتاريخ الفلسفة الأوروبية. فهي تعطي تصورا خطيا للتقدم يقوم على اختزال حركة التقدم على نحو يبدو حتميا كالتالي: (الكنيسة قيدت العقل. جاء ديكارت مثل السوبرمان المخلص وحرر العقل المقيد. بدأت الاكتشافات والاختراعات. تطورت الحضارة الغربية. ثم أخيرا وليس آخرا جاء الذكاء الاصطناعي). ومشكلة هذه الفكرة فضلا على أنها غارقة في التبسط فإنها تختزل تاريخ أوروبا في «البطل المخلص». وهذه السردية الرومانسية جذابة لأنها سهلة الفهم ولكنها إشكالية من ناحيتين: أولا لأنها تختزل تاريخيا ظواهر في غاية التعقيد بصورة خطية، وثانيا لأنها صادرة من باحث خبير مثل مرزوق بن تنباك يفترض ألا يتناول ظواهر التقدم المعقدة بهذا القدر من التبسيط والاختزال والتصوير الخطي لحركة التاريخ.
كثير من المؤرخين المعتبرين في الغرب يتعاملون مع ظاهرة «تقدم الغرب» كلغز محير، فلا يوجد حتى الآن إجماع بين علماء التاريخ والاجتماع حول تفوق أوروبا الحديثة، ولماذا انطلقت أوروبا نحو الثورة الصناعية والتفوق العلمي، بينما لم يحدث الشيء نفسه بالوتيرة ذاتها لحضارات أخرى؟. التقدم الغربي ليس حقيقة بسيطة يمكن تفسيرها بفكرة «البطل المخلص» أو «المعلم التنويري»، هي من أعقد الألغاز التاريخية التي ما زالت محل جدل بين علماء التاريخ الغربيين. يقول أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد نيال فرجسون: «إن صعود الغرب هو بكل بساطة، الظاهرة التاريخية الأهم في النصف الثاني من الألفية الثانية بعد المسيح، إنها القصة التي توجد في قلب التاريخ الحديث. ربما هي اللغز الأكثر إثارة للتحدي الذي يبقى على المؤرخين حله». من كلام فرجسون يتضح أن المؤرخين الغربيين أنفسهم منقسمون في تفسير ظاهرة تقدم الغرب، فهي - كانت ولم تزل - مسألة إِشكالية ومن العسير تفسيرها بفكرة وجود البطل المحرر الذي يلعب دورا يشبه دور الأنبياء المعلمين.
المغالطة التاريخية الأخرى في تغريدة بن تنباك تكمن في شخصية ديكارت نفسه، وهي مغالطة شائعة بين الكُتاب العرب بصورة طاغية. فهناك صورة نمطية ترسخ فكرة أن ديكارت كان فعلا شخصية عقلانية وتعامل أفكاره باعتبارها ذروة سنام العقلانية وبداية التنوير العقلي في أوروبا. تقوم عقلانية ديكارت على «مبدأ الشك أو منهج الشك» وهو مذهب ينطلق من عقيدة دينية أو لنقل خرافة تفرض على الباحث عن الحقيقة، أن يشك في ما تأتي به الحواس من المعرفة، بمعنى أن حواس الإنسان وفق هذه العقيدة عاجزة عن الوصول لأي حقيقة لأن الشيطان الماكر - حسب تعبير ديكارت- يتلبس حواس الإنسان ويجعلها تعتقد الأوهام التي لا حقيقة لها.
الشك عند ديكارت يفترض وجود عالمين منفصلين انفصالا حادا: عالم العقل وعالم الحواس، وعالم الحواس التجريبي تتلبسه الشياطين، ما يفرض علينا الشك في تجربتنا الحسية وأي معرفة تحصل عليها الحواس من العالم الخارجي. الإيمان بمثل هذه الأساطير الدينية القديمة جعلت ديكارت يصل لمرحلة الشك في حواسه وما إذا كان مستيقظا أو يحلم، لدرجة أنه صار يشك حتى بوجوده فقال كلمته المشهورة: أنا أشك إذن أنا موجود أو أنا أفكر إذن أنا موجود.
المفارقة الغريبة أن ديكارت الذي يقدَّم في الخطاب العربي بوصفه محرر العقل من الخرافة، لم يؤسس يقينه على مبادئ عقلية خالصة بل على بناء أسطوري يفصل عالم العقل عن عالم الحواس، ويفترض وجود شيطان ماكر يتلبس حواسه. وبالتالي تغريدة بن تنباك التي تصور ديكارت معلما عقلانيا يلعب دورا حضاريا أشبه بأدوار الأنبياء، يمكن وصفها بالقراءة التبسيطية التي لا تنسجم مع «الحقيقة التاريخية» لذاك العصر.