لعل شيئا من هذا المشهد الكافكاوي رافق النقاش الذي جاء بعد توقيع مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية (2026/06/16). فمنذ اللحظة الأولى، انشغل المحللون والمراقبون بسؤال بدا بسيطا في ظاهره لكنه معقد في جوهره: هل هذه الوثيقة معاهدة ملزمة أم مجرد مذكرة تفاهم؟ وكما في رواية المحاكمة لكافكا، فإن الإجابة لا يمكن أن تكون مباشرة وكافية.
فقد تضمنت المذكرة مجموعة من الالتزامات المتبادلة التي يصعب التعامل معها باعتبارها مجرد «إعلان نوايا». فقد نصت على وقف الأعمال العسكرية، وضمان حرية الملاحة وأمن الممرات البحرية في الخليج العربي ومضيق هرمز، ودعم التهدئة في لبنان، وإنشاء آليات للمتابعة والتواصل بمشاركة وسطاء دوليين، إلى جانب ترتيبات اقتصادية شملت تجميد بعض العقوبات المفروضة على إيران. هنا نجد أن الوثيقة لم تُقدم على أنها «معاهدة» تنهي النزاع. فعندما يسمع معظم الناس كلمة «معاهدة» فإنهم يستحضرون صورا تاريخية محددة. يستحضرون المعاهدات التي وقعت بعد الحروب، وأغلقت فصولا من النزاع؛ على سبيل المثال معاهدة فرساي عام 1919، التي لم تكن مجرد اتفاق سياسي، بل إعلان رسمي عن نهاية الحرب العالمية الأولى وبداية نظام دولي جديد. كانت تلك المعاهدات تحدد بصورة نهائية من انتصر ومن دُحر، وما هي الحقوق والالتزامات التي ستنظم المرحلة التالية.
وبالنظر إلى مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية فإننا نجد أنها لا تشبه هذه النماذج من المعاهدات. فهي لم تأتِ بعد انتصار عسكري حاسم، ولم تعلن نهاية الصراع بين واشنطن وطهران، ولم تغلق الملفات التي كانت سببا في الأزمة أصلا. وعلى العكس من ذلك، فإن أحد أهم بنودها يتمثل في مواصلة التفاوض للوصول إلى اتفاق نهائي في مرحلة لاحقة بعد 60 يوما.
هنا يظهر السؤال القانوني الذي أثار الجدل، هل يمكن لوثيقة تحمل اسم «مذكرة تفاهم» أن تكون ملزمة؟ الإجابة قد تكون في أحيان «نعم». فالقانون الدولي لا يمنح أهمية للمسميات. ففي القانون هناك قاعدة فقهية تقول إن «العبرة بالمقاصد والمعاني وليست بالألفاظ والمعاني». وقد أكدت هذا المبدأ محكمة العدل الدولية بحكمها في قضية قطر والبحرين عام 1994. إذ إن المحكمة لم تكتف بالنظر إلى عنوان الوثيقة، والدفوع التي نصت على أنها لا تعدو أن تكون محاضر ومراسلات بل بحثت في مضمون تلك الوثائق وآثارها القانونية. وانتهت إلى أن الاتفاقات الدولية قد تتخذ أشكالا وتسميات مختلفة، والعبرة ليست بتلك التسميات أو شكلها إنما ما أنشأته من حقوق والتزامات.
من هذا المنظور، من الصعب وصف المذكرة الأمريكية / الإيرانية بأنها غير ملزمة. فهي تتضمن التزامات متبادلة ومحددة تتعلق بتنظيم الأمن الإقليمي، والعسكري وآثار اقتصادية منها رفع العقوبات.
لكن في الوقت نفسه، من الصعب أيضا التعامل معها باعتبارها معاهدة نهائية. إذ إن الكثير من القضايا المهمة تم تأجيلها إلى مفاوضات لاحقة. ومن بين هذه القضايا مستقبل بعض الترتيبات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني، وشكل العلاقة الأمنية المستقبلية بين الطرفين. وهذا ما يجعل المذكرة أقرب إلى ما يسميه بعض المحللين «اتفاق إطاري» أو «اتفاق انتقالي».
هنا ولسان الحال كما قال المثقف العبدي: ولا أدري إذا يممتُ وجها... أريدُ الخير أيهما يليني. فالواقع في المجتمع الدولي أكثر تعقيدا، فسواء سميت مذكرة تفاهم أو اتفاق إطاري أو ترتيب انتقالي، فإن طبيعتها تتحدد بما تلتزم به الأطراف. وربما - ولهذا السبب - تبدو عبارة المراقب في رواية كافكا ذات صلة بالمشهد الدولي الحالي: «ترى أنه علينا أن ننهي المسألة نهاية تصالح؟». فمذكرة التفاهم الأمريكية / الإيرانية لم تصمم لتكون نهاية حرب وتصالح. ولا يجزم أحد أنها حلت جميع الخلافات، أو أنها أسست سلاما دائما. كل ما فعلته أنها حاولت إدارة مرحلة خطرة، وبناء مساحة للتفاوض وتأجيل المواجهة.