في المرحلة الجامعية، كان بيننا عدد من الطالبات المتفوقات، كنّا كثيرا ما نسمع منهنّ التّذمر من بعض أعضاء هيئة التدريس، بسبب شدتهم وضعف مرونتهم في التعامل مع الطالبات، حتى كنّا نظن أنهن سيقدمن نموذجا مختلفاً إذا أتيحت لهنّ الفرصة يوماّ ما. ومرّت السنوات وأصبحن في هيئة تدريس الجامعة، والمفاجأة أن البعض منهن بدأ يمارس الأسلوب الذي كن ينتقدنه بالأمس. وهذا المشهد يتكرر في بيئات العمل المختلفة.

كلنا نتفق أن الطبيعة البشرية تميل إلى توجيه الآخرين والتأثير فيهم، لذا قد يكون حب القيادة أمرا فطريا في البشرية، لكن تولّي المنصب ليس عصاً سحرية تجعل من الإنسان شخصية عظيمة أو مسؤولاً ناجحاً، فليس كل من جلس على الكرسي أصبح قائداً.

في بيئات العمل نرى نماذج كثيرة لموظفين كانوا بالأمس زملاء عاديين، يتبادلون الأحاديث والابتسامات، ويتذمرون من قسوة بعض المديرين وأساليبهم. وما إن يُمنح أحدهم منصباً إدارياً حتى يتغير فجأة، تتبدل لهجته، وتعلو نبرته، ويبدأ في ممارسة سلطة لم يكن يملكها من قبل، وكأن المنصب فرصة لتعويض نقص أو تصفية حسابات أو إثبات وجود.


هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«بريق السلطة»، وهي تلك الحالة التي يظنّ فيها البعض أن الإدارة تعني إصدار الأوامر، ومراقبة حادة في التنفيذ بحجة متابعة الأعمال. والانغماس في التفاصيل الصغيرة، دون التخطيط للأشياء الكبيرة التي ستصنع له المجد والأثر.

المنصب لا يضيف قيمة للإنسان، بل الإنسان هو من يضيف قيمة لنفسه بعمله وإنجازاته، فمن اكتمل نضج عقله واستشعر عظم الأمانة، سيدرك أن المنصب وحده ليس مفتاح المجد، بل بالعكس، سيضع المرء تحت المجهر في كل شيء. فالحذر والحرص واجب، وكما قال حكيم لابنه: «لا تكن رأساً، فإن الرأس كثير الآفات». لذا المدرك لحجم المسؤولية سيزيده المنصب تواضعاً وخلقاً رفيعاً مع الآخرين، لأنهم بعد الله هم أذرعة النجاح وسواعد التميّز لصعود السلّم، أما من كانت أخلاقه هشّة ومبادئه متقلبة، فإن الكرسي غالباً ما يكشفها للآخرين بسرعة أكبر.

فيما لا يختلف عليه اثنان، أن المشكلة ليست في السلطة نفسها، فالسلطة أداة ضرورية لإدارة الأعمال واتخاذ القرارات، وإنما في الفهم القاصر لمعنى الإدارة. فالإدارة ليست استعراضا للقوة، ولا ممارسة للنفوذ، ولا تذكيرا يوميا للموظفين بمن يملك القرار. الإدارة في جوهرها مسؤولية قبل أن تكون صلاحية، وتوجيه قبل أن تكون تهديدا، وأمانة قبل أن تكون امتيازا.

كم من مدير غادر منصبه فلم يبق منه في ذاكرة الناس إلا الشكوى والتذمر، وكم من قائد غادر وما زال اسمه يُذكر بالخير والدعاء والامتنان. والفرق بين الإثنين لم يكن حجم الصلاحيات ولا فخامة المكتب، بل حسن التعامل وصدق القيادة وسموّ الأخلاق. وما يبقى في النهاية هو الأثر الذي يتركه الإنسان خلفه.

القيادة الحقيقية تبدأ عندما يدرك المسؤول أن احترام الناس واجب، وأن المعاملة الحسنة مطلب، وأن من أسباب علو قيمة المرء حسن تعامله وأمانته وإنجازاته، وأن أعظم القادة هم الذين كسبوا القلوب وسعوا إلى تحقيق الأهداف بتناغم رائع مع الفريق. فالكراسي تزول، أما القيم والسمعة الحسنة فتبقى شاهدة على صاحبها طويلا.

أيها القائد، خلّد اسمك بذكرى حسنة.