هذه هي الموضوعية؛ أن تشيد عندما تكون الإشادة مستحقة، وأن تنتقد عندما يكون النقد واجبًا.
أما أن يتحول الإنسان إلى حرباء يغيّر لون جلده مع كل مرحلة، ويبدل قناعاته مع كل تغير في موازين القوة، فهذا قد يكون تكيفًا في نظر البعض، لكنه ليس ما أؤمن به.
ثبات المواقف ميزة وليست عيبا !
عندما كتبنا كثيرا قبل سنوات طويلة عن أمير الرياض آنذاك الأمير سلمان بن عبدالعزيز، كتبنا عن قناعة واحترام صادقين، لأننا أبناء هذه المدينة ونعرف ما قدمه لها.
وعندما أصبح وليًا للعهد ثم ملكًا، لم يتغير موقفنا.
وكذلك عندما كتبنا عشرات المقالات عن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورؤية المملكة 2030، لأننا رأينا مشروعًا وطنيًا غير مسبوق، أحدث تحولًا جذريًا في الدولة السعودية الحديثة، ربما هو الأكبر منذ ثلاثة قرون. وحاولنا دائمًا أن نقدم هذا المشروع في مقالتنا بلغة علمية وعالمية يفهمها الخارج، وفي الوقت نفسه بروح سعودية يفهمها الداخل.
ومن أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى تصحيح، اعتقاد بعض المسؤولين أن انتقاد أدائه يعني انتقاد الدولة أو رؤية المملكة وهذا غير صحيح.
فالولاء للوطن وقيادته شيء، وأداء بعض المسؤولين التنفيذي شيء آخر.
المسؤول موظف عام يؤدي مهمة محددة، وقد ينجح أو يقصر، وسيأتي بعده غيره، ولذلك فهو ليس فوق النقد، ولا ينبغي أن يكون.
بيعتنا للملك وولي عهده ولم نبايع بقية المسؤولين.
ومن حق أي مواطن أن يشيد بالإنجاز، كما من حقه أن ينبه إلى الخلل، ما دام يفعل ذلك بموضوعية واحترام.
والإنصاف يقتضي أن نقول كما أن لدينا مسؤولين لم يرتقوا إلى مستوى المسؤولية، لدينا أيضًا نماذج استثنائية فوق العادة تستحق أن تُذكر بكل فخر.
لدينا رجال دولة صنعوا فارقًا حقيقيًا، مثل الأمير بندر بن سلطان – حفظه الله وألبسه ثوب الصحة والعافية – الذي ترك مدرسة في العمل السياسي والدبلوماسي، ولدينا أيضًا الدكتور مساعد العيبان، الوزير السوبر الذي يمثل نموذجًا إداريًا رفيعًا يحتذى به، وغيرهما كثير. ولا تربطني بأيٍ منهم مصلحة أو منفعة شخصية. لكن نحن أيضا نكتب عن الجوانب المشرقة في الدولة وهي كثير.
في المقابل محدثي يرى أن النجاح يُقاس بالقدرة على التكيف مع كل مرحلة، لا باتخاذ المواقف.
ففي زمن صعود الإخوان وتيارات الصحوة، لم يدخل معهم في أي مواجهة، ولم يثر غضبهم، ولم يُسجل عليه أي موقف قد يضعه في دائرة الاستهداف أو التشويه. لذلك خرج من تلك المرحلة بسجل خالٍ من التشويه، واستفاد – كما استفاد غيره – من الأنظمة والامتيازات التي كانت متاحة آنذاك.
وفي نظره، لم يكن ذلك تملقًا، بل كان ذكاءً ومرونةً في التعامل مع الواقع، تجعله شخصًا يمكن العمل معه في مختلف الظروف، دون أن يثير الحساسيات أو يخلق لنفسه خصومات.
ومع تغير المرحلة، استطاع أيضًا أن يتكيف مع الواقع الجديد، ويتبنى خطابًا ينسجم مع متطلبات العصر، فاستمرت مسيرته المهنية، وتقلد منصبًا جيدًا، وحظي بمزايا وفرص جديدة.
ومن هذا المنطلق كان يسألني باستغراب:
من الذي طلب منك أن تدخل في مواجهة مع ذلك المثلث؟ ولماذا تحمل نفسك تبعات مواقف كان بإمكانك تجنبها؟
ثم ضرب مثالًا قال إنه واقعي:
إذا كان أمام مسؤول مرشحان لمنصب مهم؛ الأول يحمل أعلى المؤهلات لكنه معروف بتاريخ من المواقف والآراء الصلبة، والثاني معروف بالمرونة، لا يصطدم بأحد، وسجله خالٍ من التشويه... فمن تعتقد أنه سيُختار؟
ابتسمت وقلت له:
ربما يكون مثالك صحيحًا في بعض الحالات، لكنه لا ينطبق علينا.
فنحن لم نتخذ مواقفنا يومًا بحثًا عن منصب، ولا سعيًا وراء فرصة، ولا رغبة في رضا أحد.
اتخذناها لأننا اعتقدنا أنها مصلحة البلد.
أما إذا كان بعض المسؤولين يفضلون الشخص المرن مثل البهلوان وله القدرة على التلون، فهذا حقهم، وهم أحرار في اختياراتهم.
في رأيي، أغلب الناس يستطيعون بسهولة تغيير مواقفهم وجلودهم إذا أرادوا فهذه ليست موهبة نادرة.
النادر حقًا هو أن تجد شخصًا وقت الضرورة تستطيع أن تسأله عن قضية حساسة، فيصدقك رأيه كما يراها، بلا أجندة، ولا مصلحة، ولا حسابات.
الندرة ليست في المرونة، الندرة في الموضوعية والإنصاف.
بعد هذا النقاش يبقى السؤال الذي يشغلني دائمًا: كيف يقيس الإنسان أثره الحقيقي في هذه الحياة؟ هل يقاس بعدد المناصب؟ أم بعدد المكاسب؟
أم بالمواقف التي بقيت ثابتة عندما كان تغييرها أكثر ربحًا؟
بالنسبة لي.. الحياة موقف. والحياة كلمة. سمِّها ما شئت! لكنها أقصر من أن نقضيها ونحن نغيّر جلودنا مع كل تغير في الظروف.
يا عزيزي (المرن) إذا كان لديك تحفظ على أسلوبي، فأنا مستعد أن أكون عسلا ومشرقًا على من يستحق وهم كثيرون، وأكون صلبا على الخطأ والفساد، لكنني الأهم سأظل موضوعيًا وواقعيًا.
فالمرونة الحقيقية، في نظري، ليست أن تغيّر مبادئك مع كل مرحلة.
المرونة الحقيقية أن تعيش أكثر من عقدين بين دول الشرق والغرب، وبين ثقافات وأديان وأعراق مختلفة، وتنجح في التكيف مع الجميع، دون أن تتخلى عن مبادئك.
المرونة أن تعيش بين ثقافات وأعراق مختلفة، وتنجح في التكيف دون أن تتخلى عن مبادئك.