في زمنٍ جعلت فيه منصات التواصل الاجتماعي من الخبر حدثًا، ومن الحدث رأيًا، ومن الرأي موجةً لا تهدأ، برزت ظاهرة تستحق التأمل أكثر من الإدانة، وهي تحوّل عثرات الأفراد إلى مشهدٍ جماهيري يتسابق كثيرون إلى التعليق عليه، لا بدافع الفهم أو النقد، وإنما بدافع التشفي أحيانًا، أو التسلية أحيانًا أخرى. ولم تعد أخطاء الناس مجرد وقائع عابرة، بل أصبحت مادةً رائجة تستدعي السخرية، وتوقظ الخصومات، وتمنح بعض المتابعين شعورًا زائفًا بالتفوق.

ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن طبيعة البيئة الرقمية التي تختزل الإنسان في خطأ، وتمنح الانفعال مساحةً أكبر من التأمل، وتجعل سرعة التفاعل أكثر قيمةً من دقة الحكم. وفي مثل هذا المناخ تتراجع الحدود الفاصلة بين النقد والتشهير، وبين إبداء الرأي والانتقاص من الآخرين، حتى يغدو التعثر الشخصي مناسبةً للتجريح العلني، لا لفهم أسبابه أو استخلاص دروسه.

ومن أكثر صور هذه الممارسة قسوةً انتقالها من نقد السلوك إلى الطعن في الأنساب والعائلات والأصول الاجتماعية، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بما وُلد فيه لا بما أصبح عليه. وهذه النقلة لا تكشف شيئًا عن الشخص المستهدف بقدر ما تكشف عن خللٍ في معايير التقييم نفسها؛ فالمجتمعات التي تجعل النسب معيارًا للمفاضلة، أو تستدعي الخلفيات الأسرية في لحظات الخصومة، تبتعد تدريجيًا عن قيم العدالة والموضوعية، وتستبدلها بأحكامٍ مسبقة لا تنتج إلا مزيدًا من الانقسام.


واللافت أن الشماتة لا تترك أثرها في ضحاياها فحسب، بل تُعيد تشكيل الذائقة الاجتماعية بأكملها. فحين تصبح مصائب الآخرين مادةً للتداول اليومي، يعتاد الناس القسوة، وتفقد مشاعر التعاطف شيئًا من حضورها، ويتحول الألم الإنساني إلى محتوى قابل للاستهلاك، لا إلى تجربة تستدعي التفهم أو الاحترام.

قوة المجتمعات لا تُقاس بقدرتها على كشف أخطاء أفرادها، بل بقدرتها على إدارة تلك الأخطاء بقدرٍ من الإنصاف والاتزان. فالفارق كبير بين نقد السلوك، وهو ضرورة اجتماعية، وبين تحويل الإنسان كله إلى خطأ، أو اختزال تاريخه وقيمته في لحظة تعثر. كما أن الفارق أكبر بين مساءلة الفعل، والطعن في الأصل أو النسب، وهي ممارسات لا تضيف إلى النقاش قيمة، بل تكشف عن عجزٍ في الحجة، وفقرٍ في الخطاب.

وربما كانت الحاجة اليوم إلى إعادة الاعتبار لثقافة المسؤولية في الكلمة، لا لأنها تفرض الصمت، بل لأنها تجعل النقد أكثر عدلًا، والخلاف أكثر رقيًا، والحوار أكثر إنسانية. فالمجتمع الذي يحترم كرامة الإنسان، حتى وهو يختلف معه أو ينتقده، هو مجتمع يبني وعيه على القيم، لا على الانفعالات، ويصنع تماسكه بالأخلاق، لا بالتشهير.