فقد علم الطبيب الذي يعالج، والمهندس الذي يبني، والضابط الذي يحمي، والعالم الذي يبتكر، والقاضي الذي يحكم بالعدل، معلمٌ وقف يومًا أمام طفل صغير، علّمه الحرف، وغرس فيه قيمة، وصحح له سلوكًا، وفتح أمامه نافذة إلى المستقبل.
ولم يكن غريبًا أن يرفع الأدب العربي من شأن المعلم، وأن يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
قُم للمعلّمِ وفِّهِ التبجيلا
كادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئُ أنفسًا وعقولا
فشوقي لم يجعل مهمة المعلم نقل المعرفة فحسب، بل جعلها بناءً للأنفس والعقول، وفي ذلك اختصار بليغ لحقيقة رسالته ومكانته في المجتمع.
وفي تراثنا شاعت المقولة: «من علمني حرفًا صرت له عبدًا»، وهي وإن لم يثبت إسنادها إلى علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فإن معناها يعكس ما استقر في الثقافة العربية والإسلامية من تقدير لمن علّم الإنسان وأضاء له طريق المعرفة.
وفي السنة النبوية جاء ما هو أبلغ وأعظم في بيان منزلة العلم وأهله، إذ قال رسول الله ﷺ: «إن العلماء ورثة الأنبياء»؛ فالأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، ومن حمل العلم وبلّغه فقد حمل رسالة عظيمة ومسؤولية جليلة.
ومن هنا فإن مكانة المعلم ليست وظيفية، ولا شأنًا يخص قطاع التعليم وحده، وإنما هي قضية مجتمع ومستقبل وطن.
وقد أدركت دول متقدمة أن تطوير التعليم يبدأ من المعلم. ففي تجارب دول مثل فنلندا واليابان وسنغافورة، احتلت العناية بإعداد المعلم وتأهيله وتعزيز مكانته المهنية والاجتماعية موقعًا مهمًا في مسيرة تطوير التعليم؛ لأن المناهج الحديثة والمباني المتطورة والتقنيات المتقدمة، مهما بلغت جودتها، لن تحقق غاياتها ما لم يقف خلفها معلم مؤهل، مقدر، ومؤمن برسالته.
لهذا فنجاح التجارب التعليمية لا ينبغي أن يُقرأ من زاوية المناهج والمباني والتقنية وحدها، بل من زاوية الإنسان الذي يحمل رسالة التعليم. فكلما ارتفعت مكانة المعلم، وتحسنت بيئة عمله، وشعر بالتقدير والاستقرار، ازدادت قدرته على العطاء والإبداع والتأثير.
ومن هنا أيضًا، فإن الحديث عن تحسين رواتب المعلمين ومزاياهم وبيئة عملهم ليس ترفًا وظيفيًا، بل استثمار في التعليم نفسه. فالمعلم الذي نحمّله مسؤولية أجيال كاملة، ونطالبه بالتربية والتعليم والمتابعة وغرس القيم وتعزيز الانتماء الوطني، يستحق أن يقابل حجم هذه المسؤولية بما يليق بها من تقدير مادي ومعنوي. ولعل الأهم من ذلك كله أن نحفظ للمعلم هيبته ومكانته الاجتماعية.
فالاستهزاء بالمعلم، أو التقليل من شأنه، أو تحويله إلى مادة للسخرية، سواء في المجالس أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ليس انتقاصًا من شخص يؤدي وظيفة فحسب، بل هو من خوارم الأخلاق والمروءة؛ لأن المجتمع حين يهز صورة المعلم أمام الطالب، فإنه يضعف إحدى أهم أدوات التربية في يد المدرسة.
فكيف نطالب الطالب باحترام معلمه، ثم يسمع من يسخر منه؟
وكيف نريد للمدرسة أن تربي، إذا نزعت الأسرة أو المجتمع من المعلم هيبته؟
احترام المعلم يبدأ من المنزل، حين يسمع الابن والديه يتحدثان عن معلمه بأدب وتقدير، ويستمر في المجتمع حين تحفظ له مكانته، ويكتمل في المؤسسة التعليمية حين يجد الدعم والإنصاف والتقدير الذي يتناسب مع رسالته.
وللمعلم السعودي على وجه الخصوص رسالة تتجاوز الكتاب والمنهج؛ فالمعلمون والمعلمات في بلادنا يتميزون بما يحملونه من قيم وأخلاق، وبإحساس وطني عالٍ بمسؤوليتهم تجاه أبنائنا وبناتنا، ويدركون أن الطالب الذي أمامهم ليس وعاءً للمعلومات فحسب، وإنما إنسان تتشكل شخصيته وقيمه وانتماؤه في سنوات الدراسة.
ولهذا كان مفهوم التربية قبل التعليم مفهومًا عميقًا في مسيرتنا التعليمية. فقد انتقل المسمى في مرحلة من تاريخ التعليم في المملكة من «وزارة المعارف» إلى «وزارة التربية والتعليم»، وفي تقديم كلمة «التربية» دلالة جميلة على أن مهمة المدرسة لا تقف عند حدود المعرفة، بل تمتد إلى بناء الإنسان وتربيته وغرس القيم فيه.
وحتى بعد أن أصبح المسمى اليوم «وزارة التعليم»، فإن التربية تظل جوهر العملية التعليمية؛ فالمعرفة وحدها لا تصنع إنسانًا صالحًا، كما أن التفوق الدراسي وحده لا يكفي لبناء المواطن. نحن بحاجة إلى علم تحرسه الأخلاق، ومعرفة يوجهها الضمير، ونجاح يصاحبه الانتماء والمسؤولية.
وهنا يظهر المعلم قدوة قبل أن يكون ملقنًا، ومربيًا قبل أن يكون شارحًا للدرس.
فالطالب قد ينسى بعد سنوات كثيرًا من المعلومات التي حفظها، لكنه قد لا ينسى معلمًا أحسن إليه، أو كلمة رفعت ثقته بنفسه، أو موقفًا علمه الصدق، أو قدوة غرست فيه حب الوطن واحترام الآخرين وتحمل المسؤولية.
وكم من إنسان بلغ أعلى المناصب، ثم بقي في ذاكرته معلم في مدرسة صغيرة كان أول من اكتشف موهبته، أو شجعه، أو قال له كلمة أسهمت في صناعة مستقبله.
ولعل من أجمل الصور التي تكشف حضور المعلم وأثره في المجتمع أن نقول: أينما وجد المعلم وجدت الحياة.
فعندما تنتهي الإجازة ويعود المعلمون والمعلمات إلى مدارسهم، تدب الحياة من جديد في المدن والقرى؛ تفتح المدارس أبوابها، وتنتظم الأسر في مواعيدها، وتزدحم الطرق في الصباح، وتعود الحركة إلى المكتبات والأسواق ووسائل النقل، وتنتظم تفاصيل الحياة اليومية. وكأن عودة المعلم إلى مدرسته ليست عودة موظف إلى مقر عمله فحسب، بل عودة إيقاع مجتمع بأكمله إلى انتظامه وحيويته.
وحتى حين تبدأ إجازة المعلمين، نرى أثرهم في اتجاه آخر؛ فالمناطق والمدن والمصايف التي يقصدونها مع أسرهم لقضاء إجازاتهم تنشط فيها الحركة، وتنتعش الأسواق والمطاعم ومواقع السياحة والترفيه، وتزداد فيها الحيوية. وهكذا يظل المعلم حاضرًا في حركة المجتمع، في عمله وفي إجازته، في مدرسته وفي المكان الذي يقصده.
إنه مشهد يستحق التأمل: يعود المعلم إلى مدرسته فتعود معه الحياة إلى انتظامها، ويذهب في إجازته إلى مكان آخر فتنتقل معه الحركة والحيوية إليه. وكأن حضوره يتجاوز حدود الفصل والسبورة؛ فأينما وجد المعلم، وجدت الحياة.
إن الأمم لا تتقدم بإهانة معلميها، ولا تصنع مستقبلها بالتقليل من شأن من يصنعون أجيالها. ومكانة المعلم في المجتمع ليست تكريمًا لشخصه فحسب، وإنما هي احترام للعلم، وإدراك لقيمة الرسالة التي يؤديها.
ولهذا فإننا بحاجة إلى ثقافة مجتمعية تعيد للمعلم قدره، وتحفظ هيبته، وتدعم حقوقه، وتحسن بيئة عمله، وتنظر في رفع مستوى دخله ومزاياه بما يتناسب مع عظم المسؤولية التي يؤديها. وفي المقابل، يظل المعلم مطالبًا بأن يكون على قدر هذه المكانة: علمًا وخلقًا وقدوةً وإخلاصًا وأمانة.
فإذا أردنا أن نعرف مقدار اهتمام أمة بمستقبلها، فلننظر أولًا إلى مقدار اهتمامها بمعلميها؛ لأن المعلم لا يقدم درسًا ينتهي بجرس الحصة، وإنما يسهم في صناعة إنسان، وهذا الإنسان هو الذي سيحمل غدًا مسؤولية وطنه ويبني مستقبله.
ولعل أمير الشعراء أحمد شوقي اختصر هذه المكانة منذ زمن بعيد بقوله:
قُم للمعلّمِ وفِّهِ التبجيلا
كادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا
فأكرموا المعلم، واحفظوا له قدره؛ فإن تكريمه تكريم للعلم، واحترامه احترام للتربية، والاستثمار فيه استثمار في الإنسان، والإنسان هو أثمن ما يملكه الوطن.
وأينما وجد المعلم... وجدت الحياة