درستُ الوضع العاطفي في المجتمع السعودي لأكثر من عقد من الزمن، وألفت خلال هذه الرحلة كتابين. وبعد البحث والكتابة والتأمل، أستطيع القول، بكل أسى، إن حجم المعاناة العاطفية في مجتمعنا أكبر من أن تصفه الكلمات؛ وحدها الدموع كفيلة بوصف الحال. والإجابة عن أسباب كل هذه المعاناة غالبًا ما تكون جملة قصيرة تبدو مريحة، لكنها في رأيي أصبحت جزءًا من المشكلة:
(إنه النصيب!لكن، هل هو فعلًا النصيب؟
هل الشقاء والحرمان العاطفي قدرٌ منزل علينا من السماء؟ وهل ارتفاع معدلات الطلاق والخلع حكم لا نملك أمامه إلا الرضا؟
وهل هذا التوتر والصراع بين الرجال والنساء قدر مكتوب؟ وهل فشلنا في بناء علاقات زوجية مستقرة ومُشبعة مجرد نصيب أم هو قصور فينا؟
بعد سنوات من الدراسة، وصلت إلى قناعة مختلفة:
المشكلة ليست في النصيب، بقدر ما هي في الفوضى العاطفية التي نعيشها (فوضى داخلية ساكنة في ثقافتنا العاطفية التي لا تصفها كلمة سطحية بل سلبية وفوضى اجتماعية قابعة في نظامنا العاطفي وطريقتنا التقليدية في الزواج).
تغير المجتمع السعودي بسرعة مذهلة. انتقلنا من مجتمع تقليدي محدود العلاقات إلى مجتمع صناعي ثم إلى مجتمع رقمي مفتوح. تغيرت أفكارنا وطموحاتنا واحتياجاتنا العاطفية والجنسية وطريقة تواصلنا ونظرتنا إلى الحياة، لكن شيئًا مهمًا لم يتغير بالسرعة نفسها: نظامنا العاطفي والاجتماعي في الزواج. نحن نعيش في مجتمع رقمي، لكن جزءًا كبيرًا من ثقافتنا العاطفية وأسلوبنا في الزواج ما زال ينتمي إلى مجتمع تقليدي قديم لم يعد له وجود، وهنا تكمن الفجوة التي تسكنها المعاناة.
الإنسان السعودي اليوم ليس هو الإنسان نفسه قبل عقود. احتياجاته العاطفية أعمق، وتوقعاته من الزواج أكبر، وأصبح الزواج بالنسبة إلى كثيرين علاقة شراكة وحب ورفقة وأمان نفسي، وليس مجرد مؤسسة اجتماعية للإنجاب والاستقرار.
ومع ذلك، ما زلنا في حالات كثيرة نتعامل مع اختيار شريك الحياة بمنطق قديم: الأسرة تختار، وتسأل، وتقرر، ثم يُطلب من شخصين لم يعرف أحدهما الآخر بما يكفي أن يبدآ حياة كاملة معًا.
كيف نطلب من الإنسان أن ينجح في زواجه، ثم لا نعطيه فرصة كافية لاختيار الشخص الذي سيتزوجه؟
لا أدعو إلى إلغاء دور الأسرة، ولا إلى تجاوز الدين أو القيم الاجتماعية، وإنما أدعو إلى إعادة تعريف هذا الدور.
الأسرة تستطيع أن تنصح وتتحقق وتحذر، لكنها لا تستطيع أن تعيش الحياة الزوجية بدلًا من الزوجين. فالزواج الناجح يحتاج إلى أمرين: توافق إنساني وعاطفي، وعقد شرعي يحفظ الحقوق ويثبت العلاقة، فالعقد ينظم الحقوق، لكنه لا يصنع الحب. والمهر حق للمرأة، لكنه لا يصنع التوافق. والصلاح فضيلة عظيمة، لكنه لا يعني بالضرورة أن شخصين صالحين مناسبان لبعضهما. قد يكون الرجل صالحًا، والمرأة صالحة، لكنهما ببساطة غير صالحين لبعضهما عاطفيًا.
ولهذا أعتقد أننا بحاجة إلى رفع قيمة التوافق العاطفي في الزواج، وإلى منح الرجل والمرأة مساحة مسؤولة وكافية لمعرفة بعضهما قبل اتخاذ القرار النهائي.
نحن بحاجة إلى أن نتحدث قبل الزواج عن المال، والإنجاب، والعمل، والعلاقة مع الأهل، والخصوصية، وطريقة إدارة الخلاف، والتوقعات ، والقيم والأهداف. هذه الأسئلة قد تكون محرجة قبل الزواج، لكنها أقل كلفة بكثير من اكتشاف اختلافاتها بعد الزواج.
أما المهر وتكاليف الزواج، فلا ينبغي أن تتحول إلى عائق أمام الزواج الناجح. فالزواج ليس صفقة تجارية، والمرأة ليست سلعة، والرجل ليس مشروعًا ماليًا. إنما هما إنسانان يحاولان بناء حياة مشتركة.
لست أرى أن الحل في المزيد من الوعظ والنصح، فقد نستمر في تكرار النصائح نفسها، بينما نستعمل الأدوات الاجتماعية نفسها التي أنتجت المشكلة.
نحن بحاجة إلى تحديث وعينا العاطفي وإلى مراجعة الطريقة التي نختار بها شريك الحياة، وإلى بناء ثقافة تجعل التوافق والمعرفة والاستعداد للزواج أهم من المظاهر والتكاليف والضغوط الاجتماعية، أو أن نرضى بأن يكون الجيل الحالي غير مستقر عاطفيًا، ونحمل أضرار ومساوئ هذا الاضطراب.