في علاقات الدول تظل الجغرافيا أصدق من يتحدث باسمها، فالسعودية تعرف السودان، والسودان يعرف السعودية. وقّع وزيرا خارجية البلدين، في الرياض «وثيقة إنشاء مجلس التنسيق السعودي/ السوداني» سطران في نشرة الأخبار، لكن خلفهما أعوامًا من العمل، فالدول تقيس الوثائق بالأبواب التي تفتحها والنتائج التي تصنعها، والتاريخ المشترك الذي يجمعهما. يكفي أن ينظرا إلى البحر الأحمر، حيث دولتان عربيتان على ضفتيه، إحداهما في قلب الجزيرة، والأخرى بوابة إفريقيا، وقد ظل البحر طريقًا للحجاج والتجار وطلاب العلم، ثم أضاف إليه العصر أمن الملاحة والغذاء والطاقة والاستثمار.

ينقل المجلس العلاقة من الذاكرة الطيبة إلى برنامج عمل، ومن الرغبة العامة إلى إطار يرصد حصيلة الإنجاز ومواضع التعثر ويحدد المسؤولية، وللعلاقات العربية رصيد وافر من العاطفة والخطب والصور التي تملأ الأرشيف، وتقوم حاجتها الكبرى على الموعد المحدد والمشروع المعروف والاسم الذي يُسأل عن النتيجة، ولهذا كانت عبارة «منصة مؤسسية» أهم ما في خبر التوقيع، فالمؤسسات تحفظ المودة من تبدل الظروف، وتجعل الصداقة عملًا يوميًا له دفاتر وحسابات.

سبق الناس الوزارات إلى هذا المجلس، فللحاج السوداني ذاكرة في جدة ومكة والمدينة، ولآلاف السودانيين في المملكة أعوام من العمل والجوار، وقد جاءت الوثيقة لتمنح هذه السيرة بيتًا دائمًا، وتضع للمودة مكتبًا وجدولًا ومسؤولية.


يأتي إنشاء المجلس في وقت يعمل فيه السودان على تجاوز آثار الحرب وإعادة بناء مؤسسات الدولة والاقتصاد والمجتمع، وتدرك السعودية أن استقرار السودان شأن يتصل بأمن البحر الأحمر والعالم العربي وإفريقيا، فالاضطراب على إحدى الضفتين يمتد أثره عبر الماء، والاستقرار إذا رسخ مد ظله على الضفة الأخرى.

في جدة فُتح باب التفاوض لحماية المدنيين، ومن المملكة امتدت يد الإغاثة إلى السودانيين، ويكوّن ذلك رصيدًا سياسيًا وإنسانيًا يجد في المجلس ذراعه الاقتصادية والتنموية، فالتسوية تنقذ يومًا، والعمل المشترك يبني غدًا.

أمام المجلس حقول واسعة تشمل الزراعة والأمن الغذائي، والموانئ والنقل، والتعدين والطاقة، والصحة والتعليم، والاستثمار الذي يعيد إعمار ما دمرته الحرب، ويدخل السودان هذه الشراكة بموارده وموقعه وخبراته وطاقات أبنائه، وتدخلها المملكة بقدرتها الاستثمارية وتجربتها المؤسسية وصلتها الواسعة بالاقتصاد العالمي، في معادلة شراكة يتكامل فيها الطرفان، ويحصد شعباهما ثمرتها.

ويبقى الامتحان فيما يأتي بعد التوقيع، في عدد المشاريع التي تنتقل من الورق إلى الأرض، والطرق والمزارع والمستشفيات والجامعات التي تجد طريقها إلى التنفيذ، وفرص العمل التي تولد من هذه المظلة الجديدة، فهناك تبدأ قيمة المجلس، وهناك يخرج الخبر من النشرة إلى حياة الناس.

تكمن أهمية المجلس في أنه يمنح الجغرافيا إدارة، والتاريخ جدول أعمال، والمودة جهة مسؤولة، فالعلاقة بين السعودية والسودان أقدم من الوثيقة، وينبغي أن يصبح أثر الوثيقة أكبر من حفل التوقيع، إذ تُنشأ المجالس بالتوقيع وتثبت بالنتائج.