لم يعد الخلل اليوم في وسائل التواصل الاجتماعي ذاتها، وإنما في الطريقة التي يستخدمها بها بعض الناس. فهذه الوسائل وُجدت لتقريب المسافات وتعزيز أواصر التواصل، لكنها تحولت لدى البعض إلى أدوات للإساءة وبث الفرقة وإثارة الضغائن.

في الماضي، كان التواصل الإنساني يتم بصورة مباشرة، في المجالس والمناسبات والزيارات، حيث يلتقي الناس وجهًا لوجه، فيقرأ كل منهم ملامح الآخر، ويستمع إلى نبرة صوته، ويدرك مقصده الحقيقي. وكان هذا النوع من التواصل يسهم في بناء الشخصية، وتنمية الذكاء الاجتماعي والعاطفي، ويغرس قيم الاحترام وحسن الظن وآداب الحوار.

أما اليوم، فقد استبدل البعض لغة الحوار بلغة الإيحاء، والمواجهة الصريحة بالرسائل المبطنة، وأصبحت حالات الواتساب وبعض المنصات الأخرى منابر لإرسال كلمات قد يفهمها شخص بعينه، بينما يقرأها الجميع. وهي ممارسات لا تعكس شجاعة في الطرح، بقدر ما تعكس هروبًا من المواجهة، وإضعافًا لقيم الصراحة والوضوح.


والمشكلة أن الرسائل المكتوبة، شعرية كانت أو نثرية أو صوتية، تبقى قابلة للتأويل، وقد تحمل من الإيحاءات ما يفتح باب الشك وسوء الظن، فتبدأ القطيعة من كلمة، وربما تنتهي علاقة امتدت سنوات بسبب عبارة كُتبت في لحظة انفعال، أو أُعيد إرسالها دون تقدير لأثرها.

ولذلك فإن من الحكمة أن يتجنب الإنسان نشر أو تمرير أي رسالة يتوقع أنها قد تثير أذى أو حساسية لدى الآخرين، حتى وإن لم يقصد الإساءة. فالعبرة ليست بما يقصده المرسل وحده، بل بما قد يتركه المحتوى في نفوس المتلقين من أثر. والكلمة التي تحتمل التأويل وتوقد الخلاف، أولى بالترك من نشرها.

ولعل من المهم أن تتجه الدراسات الاجتماعية والنفسية إلى بحث ظاهرة عشوائية الإرساليات، سواء كانت مقاطع شعرية أو عبارات نثرية أو رسائل صوتية، وقياس أثرها السلبي في العلاقات الأسرية والاجتماعية. كما نحتاج إلى وضع أخلاقيات توعوية جديدة لهذا النمط التواصلي الحديث، تساعد الناس على تجنب الأخطاء غير المقصودة، وتحوّل هذه الوسائل إلى أدوات بناء لا معاول هدم. أما من يتعمد الأذى، فلن تردعه الأخلاقيات وحدها، لكن الوعي العام كفيل بتضييق أثره وكشف مقاصده.

إننا بحاجة إلى مراجعة جادة لأسلوب تعاملنا مع وسائل التواصل، وأن ندرك أن الكلمة مسؤولية، سواء قيلت في مجلس أو كُتبت خلف شاشة؛ فبصلاح الكلمة تصلح العلاقات، وبفسادها يختل النسيج الاجتماعي بأسره.