وتعد ظاهرة تضخم الدرجات من الظواهر التي تؤثر في مصداقية الحكم على نواتج التعلم. فالتساهل في منح الدرجات، والاعتماد على أساليب تقويم تركز على الحفظ والاسترجاع أكثر من الفهم والتحليل والتطبيق، أسهما في إضعاف جودة المخرجات التعليمية. ولا تكمن خطورة هذه الظاهرة في ارتفاع الأرقام فحسب، بل في احتمال انتقال بعض الطلاب إلى مراحل تعليمية أعلى دون امتلاكهم المعارف والمهارات والكفايات التي يفترض اكتسابها، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الدرجات التي يحصلون عليها ومستواهم الحقيقي.
ولا يقتصر الحديث عن تضخم الدرجات على الملاحظات الميدانية، بل تؤيده نتائج الدراسات الحديثة. فقد كشفت دراسة أجرتها الباحثة منيرة خالد العجمي (2025) في المدارس الثانوية بدولة الكويت أن تضخم الدرجات يؤثر في جودة التعليم، ويؤدي إلى تكوين صورة غير دقيقة لدى الطالب عن مستواه الحقيقي، مما يحد من قدرته على التعرف على جوانب القوة والضعف لديه، وقد ينعكس سلبًا على أدائه في المراحل التعليمية اللاحقة ومتطلبات الحياة المهنية.
وعند التحاق الطالب بالجامعة أو دخوله سوق العمل، تظهر آثار هذه الظاهرة بصورة أوضح، حيث تصبح الكفاءة والقدرة على الإنجاز والتعلم المستمر أكثر أهمية من الأرقام المرصودة في كشوف الدرجات. ويتفاجأ بعض الطلاب بواقع يتطلب مهارات التفكير والتحليل والتواصل وحل المشكلات، وهي مهارات لا يمكن أن تعوضها الدرجات المرتفعة وحدها.
وتؤكد البيانات الصادرة عن المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum في تقرير مستقبل الوظائف 2025 أن التغيرات التقنية والاقتصادية المتسارعة تعيد تشكيل متطلبات سوق العمل، وأن أصحاب العمل يركزون بصورة أكبر على المهارات العملية والقدرة على التكيف والتعلم المستمر. وهذا يؤكد أن النجاح في المستقبل لن يعتمد على الشهادات والدرجات فقط، بل على ما يمتلكه الفرد من كفاءات حقيقية تمكنه من مواكبة المتغيرات.
كما أن آثار هذه الظاهرة لا تقتصر على الطالب وحده، بل تمتد إلى الأسرة والمؤسسات التعليمية وسوق العمل. فالأسرة قد تبني توقعاتها على درجات مرتفعة لا تعكس المستوى الحقيقي للطالب، بينما تضطر المؤسسات التعليمية وأصحاب العمل إلى معالجة جوانب القصور المتراكمة، واللجوء إلى اختبارات ومقابلات إضافية للتحقق من كفاءة المتقدمين.
إن التعليم الحقيقي يقاس بما يكتسبه المتعلم من معرفة ومهارات وقيم وسلوكيات؛ فالدرجة ينبغي أن تكون نتيجة للتعلم والإتقان، وليست غاية مستقلة بحد ذاتها. ومن هنا تبرز أهمية تطوير أساليب التقويم لتشمل المهام الأدائية والمشروعات والتطبيقات العملية التي تكشف مستوى الفهم والقدرة على توظيف المعرفة في مواقف الحياة الواقعية.
كما أن المحافظة على مصداقية الدرجات مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والطالب. فالدرجة الحقيقية ليست رقمًا يضاف إلى كشف النتائج، بل مؤشر على مستوى الإتقان والاستعداد للمستقبل. وكلما ارتبطت الدرجات بالكفاءة الفعلية، اقتربنا من بناء جيل قادر على التعلم والإبداع والمنافسة.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس بعدد الدرجات الكاملة التي يحصل عليها الطالب، بل بقدرته على توظيف ما تعلمه في حياته ومواصلة التعلم والنمو في عالم سريع التغير.