ولعل أبرز ما جاء حول ذلك هو ما ذكره استشاري جراحة المسالك البولية والجراحة الروبوتية الدكتور ماهر مؤذن، مؤخرًا، بعد أن سلط الضوء على دراسة علمية حديثة تناولت تطوير روبوت مغناطيسي بالغ الصغر قادر على الوصول إلى الحصوات وإذابتها من داخل الجسم.
وأوضح الدكتور المؤذن، أن الابتكار الجديد لا يمثل علاجًا معتمدًا في الوقت الحالي، بل لا يزال في المرحلة ما قبل السريرية، إلا أنه يعكس التحول المتسارع في عالم الجراحة من الروبوتات الجراحية التقليدية إلى الروبوتات الدقيقة داخل الجسم (Microrobotics)، التي قد توفر مستقبلًا علاجات أكثر دقة وأقل تدخلًا جراحيًا.
إنزيم يذيب الحصوات
بحسب دراسة منشورة في مجلة Advanced Healthcare Materials، فإن هذا الابتكار يعتمد على روبوت مرن بحجم مليمترات، حيث تتناول الدراسة تطوير طريقة علاجية أقل تدخلًا لحصوات الكلى، خصوصًا حصوات حمض اليوريك، عبر روبوتات صغيرة مرنة يتم توجيهها مغناطيسيًا داخل الجهاز البولي، وتحمل إنزيم اليورياز الذي يرفع درجة حموضة البول موضعيًا، ما يساعد على إذابة الحصوة في مكانها.
تشير الدراسة إلى أن حصوات الكلى تُعد من أكثر أمراض الجهاز البولي شيوعًا، إذ تصيب نحو 12% من السكان، كما أن احتمالية تكرارها بعد الإصابة الأولى تصل إلى 70–80%. وترى الدراسة أن العلاجات الحالية، مثل الأدوية طويلة الأمد أو العمليات المتكررة، تكون مرهقة للمرضى والأنظمة الصحية، خصوصًا لدى من يعانون تكرار تكوّن الحصوات.
كيف تعمل التقنية
اقترح الباحثون في الدراسة علاجًا لا سلكيًا يعتمد على روبوتات مرنة مصنوعة من شرائح بوليمرية قائمة على الجيلاتين بحجم مليمترات، تحتوي على مغناطيسات دقيقة وإنزيم اليورياز. وتعمل هذه الروبوتات على التحرك داخل الجهاز البولي بتوجيه مجال مغناطيسي خارجي، ثم ترفع درجة حموضة البول حول الحصوة، مما يعزز إذابة حصوات حمض اليوريك.
توضح الدراسة أن الروبوتات الدقيقة تمثل مجالًا واعدًا في الطب، بفضل تطور تقنيات النانو، والتصوير الطبي، وهندسة المواد. وتكمن أهميتها في قدرتها على الوصول إلى مناطق دقيقة داخل الجسم، وتوصيل العلاج مباشرة إلى موضع المرض، بما يجعل التدخلات الطبية أكثر دقة وأقل توغلًا.
نتائج واعدة مخبريا
فيما يتعلق بحصوات الكلى، تبيّن الدراسة أن معظم الحصوات قد تتكون من أوكسالات الكالسيوم، أو فوسفات الكالسيوم، أو حمض اليوريك، أو الستروفيت، أو السيستين، وأن نحو 13% منها يتكون غالبًا من حمض اليوريك. وترتبط حصوات حمض اليوريك بانخفاض درجة حموضة البول، بينما تزداد قابلية ذوبانها عندما يرتفع الرقم الهيدروجيني إلى أكثر من 6.
تشير الدراسة إلى أن العلاج التقليدي لحصوات حمض اليوريك يعتمد غالبًا على رفع قلوية البول عبر أدوية فموية مثل السيترات أو البيكربونات، بينما تُستخدم العمليات الجراحية أو تفتيت الحصوات بالموجات الصادمة أو المناظير في حالات الألم الشديد أو الانسداد أو الحالات العاجلة.
أما التقنية المقترحة في الدراسة، فتهدف إلى إيصال العلاج مباشرة إلى الحصوة بدل الاعتماد على التأثير العام للأدوية داخل الجسم. وقد أظهر الباحثون قدرة الخيوط الروبوتية المحملة باليورياز على رفع درجة حموضة البول الصناعي لفترات طويلة وصلت إلى ثلاثة أشهر، مع تعزيز واضح في إذابة حصوات الكلى خلال خمسة أيام في نموذج مخبري يحاكي الجهاز البولي البشري.
كما أثبتت الدراسة إمكانية تتبع هذه الروبوتات باستخدام أجهزة الموجات فوق الصوتية السريرية، بفضل المغناطيسات الدقيقة المدمجة فيها، وإمكانية توجيهها داخل نموذج ثلاثي الأبعاد للجهاز البولي البشري.
آلية العلاج المستقبلية
تقترح الدراسة مستقبلًا إدخال هذه الخيوط المرنة عبر القسطرة إلى المثانة أو حوض الكلية بتقنية محدودة التدخل، ثم تثبيتها لا سلكيًا بالقرب من الحصوة باستخدام لاصق مغناطيسي خارجي يوضع على الجلد، بما يسمح لها بالعمل موضعيًا لعدة أيام، وقد يقلل الحاجة إلى القسطرة الطويلة أو التنويم أو التدخل الجراحي في بعض حالات حصوات حمض اليوريك. تشير نتائج الدراسة إلى أن هذا النهج قد يختصر زمن العلاج ويقلل من التدخلات الجراحية، إلا أن الباحثين شددوا على أن التقنية ما زالت بحاجة إلى سلسلة من التجارب السريرية لإثبات سلامتها وفاعليتها قبل اعتمادها للاستخدام على المرضى.
ما بعد الجراحة الروبوتية
أوضح الدكتور المؤذن، أن أهمية هذا التطور لا تكمن في علاج الحصوات فحسب، بل في كونه يؤشر إلى انتقال الطب من مرحلة الجراحة الروبوتية إلى عصر الروبوتات الدقيقة داخل الجسم، التي تستهدف موضع المرض مباشرة، بما قد يسهم مستقبلًا في تقليل المضاعفات وتسريع فترة التعافي. أشار إلى أن مستقبل الجراحة سيعتمد على تكامل الإنسان والروبوت والذكاء الاصطناعي ضمن منظومة علاجية أكثر دقة وأمانًا، مؤكدًا أن الاستثمار في تدريب الكفاءات الوطنية اليوم هو الطريق نحو ريادة الغد.
تطبيقات تتجاوز حصوات الكلى
تتوافق هذه الرؤية مع ما استعرضته الورقة العلمية المنشورة في مجلة The Innovation Life، التي وصفت الروبوتات الدقيقة بأنها من أكثر مجالات الطب الحيوي تطورًا، إذ يجري العمل على تطويرها لتنفيذ مهام علاجية وتشخيصية داخل جسم الإنسان بأقل تدخل ممكن.
أشارت الورقة إلى أن استخدامات هذه الروبوتات قد تمتد مستقبلًا إلى توصيل الأدوية مباشرة إلى الأورام والأنسجة المصابة، وإزالة الجلطات الدقيقة، وإجراء تدخلات جراحية متناهية الصغر، إضافة إلى قياس المؤشرات الحيوية من داخل الجسم، بما يعزز دقة العلاج ويحد من آثاره الجانبية.
الذكاء الاصطناعي شريك الجراح
يرى الباحثون أن الذكاء الاصطناعي سيكون عنصرًا أساسيًا في الجيل القادم من هذه التقنيات، من خلال تحسين توجيه الروبوتات داخل الجسم، واختيار المسارات الأكثر أمانًا، وتجنب الأنسجة الحساسة، بما يرفع من دقة العلاج ويقلل احتمالات الخطأ.
في السياق ذاته، أوضح الدكتور مؤذن أن وزارة الصحة السعودية تعمل على بناء منظومة وطنية متقدمة للجراحة الروبوتية عبر مركز التدريب الوطني للجراحة الروبوتية، من خلال الاستثمار في التدريب والبحث العلمي وتأهيل الجراحين وفق أحدث المعايير العالمية، استعدادًا لاستيعاب التقنيات المستقبلية.
أبرز ما توصلت إليه الدراسة
روبوت مغناطيسي دقيق لعلاج حصوات حمض اليوريك.
يعتمد على إنزيم اليورياز لرفع قلوية البول موضعيًا.
يوجَّه مغناطيسيًا داخل الجهاز البولي دون تدخل جراحي واسع.
نجح مخبريًا في تعزيز إذابة الحصوات خلال خمسة أيام.
أمكن تتبعه باستخدام أجهزة الموجات فوق الصوتية.
لا يزال في المرحلة ما قبل السريرية ويحتاج إلى تجارب سريرية قبل اعتماده.