إذا كنا نتحدث عن مشروع وطني يمتد إلى كأس العالم 2034، فمن غير المنطقي أن نبني مستقبل الكرة السعودية دون أن نبني الإنسان الذي سيقود هذا المستقبل. فاللاعب لا يتطور وحده، والموهبة لا تنمو تلقائيًا، بل تحتاج إلى مدرب مؤهل علميًا، يفهم كرة القدم الحديثة، ويملك أدوات التعليم والتطوير، لا مجرد الخبرة الميدانية.
وهنا تظهر المشكلة الحقيقية. أين هي الأكاديميات والمعاهد المتخصصة التي تؤهل المدربين السعوديين بصورة احترافية؟ أين البرامج الأكاديمية المستمرة التي تجمع بين علوم التدريب، وعلم النفس الرياضي، والقيادة، والتحليل الفني، وعلوم الحركة، والتغذية، وتحليل البيانات، وإدارة المواهب؟ إذا لم تكن لدينا منظومة متخصصة لصناعة المدرب، فكيف ننتظر منظومة قادرة على صناعة اللاعب؟
لقد سئمنا من الحلول السطحية. كل إخفاق يقابله تغيير سريع، وكل أزمة يقابلها قرار مؤقت، بينما يبقى أصل المشكلة كما هو. كرة القدم لا تُبنى بردود الأفعال، بل بالمشروعات طويلة الأمد. والدول التي أصبحت اليوم في قمة كرة القدم لم تبدأ بلاعبين عظماء، بل بدأت ببناء مدارس تدريبية صنعت هوية كروية واضحة، ثم خرج منها اللاعبون والأجيال.
المؤلم أننا ما زلنا نعتقد أن استقطاب المدرب الأجنبي هو الحل الدائم. لا أحد ينكر وجود مدربين أجانب كبار قدموا إضافات حقيقية لكرة القدم السعودية، لكن لا يمكن أن يصبح الاستيراد مشروعًا دائمًا. فهناك أيضًا مدربون يأتون بعقود ضخمة، ويغادرون بعد أشهر قليلة دون أن يتركوا أثرًا حقيقيًا. بعضهم يتعامل مع المهمة بوصفها محطة مالية أكثر من كونها مشروعًا وطنيًا طويل المدى، لأن مستوى الانتماء والمسؤولية لن يكون غالبًا كما هو عند مدرب تربى داخل المنظومة ويؤمن بمستقبلها.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في المدرب السعودي. ليس بدافع الوطنية فقط، بل لأن بناء الكفاءات المحلية هو الضمان الوحيد للاستدامة. فالمدرب الوطني لن ينجح لمجرد أنه سعودي، بل لأنه سيُصنع داخل منظومة علمية متخصصة، تمنحه المعرفة والخبرة والفرصة والتمكين الحقيقي.
كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد على الحدس والخبرة الشخصية فقط، بل أصبحت علمًا قائمًا بذاته. المدرب اليوم يحتاج إلى فهم عميق للتحليل الرقمي، وإدارة الأحمال البدنية، وعلم النفس الرياضي، وتطوير المواهب، والتواصل القيادي، وصناعة الثقافة داخل الفريق. وهذه المهارات لا تُكتسب بالممارسة وحدها، بل تحتاج إلى تعليم أكاديمي مستمر، وإلى معاهد متخصصة تجعل التعلم جزءًا من حياة المدرب المهنية.
كما أن بناء المدرب يعني أيضًا بناء هوية كروية وطنية. عندما يتخرج جميع المدربين من منظومة تعليمية واحدة، تبدأ الفلسفة الكروية بالانتقال من الأكاديميات إلى الأندية ثم إلى المنتخبات. يصبح هناك أسلوب لعب واضح، ولغة تدريب مشتركة، وفهم موحد لطريقة تطوير اللاعب. أما عندما يعمل كل مدرب وفق اجتهاده الشخصي، فإننا نحصل على منظومات متفرقة، لا يجمعها مشروع واحد.
إذا كنا نحلم بمنتخب ينافس في كأس العالم 2034، فإن الطريق لا يبدأ من المنتخب الأول، بل من قاعة دراسية يجلس فيها مدرب شاب يتعلم كيف يصنع لاعبًا محترفًا. يبدأ من معهد متخصص يؤمن بأن المدرب أهم استثمار في كرة القدم، لأنه الشخص الذي يصنع كل ما يأتي بعده.
كرة القدم السعودية لا تحتاج إلى تغيير أسماء بقدر ما تحتاج إلى تغيير فلسفة. فلسفة تؤمن بأن بناء الإنسان يسبق بناء الفريق، وأن صناعة المدرب هي الخطوة الأولى لصناعة اللاعب، وأن الاستثمار في المعرفة أبقى أثرًا من الاستثمار في الحلول المؤقتة.
ربما آن الأوان أن نتوقف عن السؤال: من سيدرب المنتخب القادم؟ وأن نبدأ بسؤال أكثر عمقًا: من سيصنع المدربين الذين سيقودون كرة القدم السعودية خلال الثلاثين عامًا القادمة؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال، قد تكون بداية التحول الحقيقي.
آن الأوان أن نتوقف عن السؤال: من سيدرب المنتخب؟ وأن نبدأ بسؤال أكثر عمقًا: من سيصنع المدربين الذين سيقودون كرة القدم السعودية خلال الثلاثين عامًا المقبلة؟