حين كتبتُ قبل عام مقالًا بعنوان: «سقوط لعبة.. الأسئلة الصعبة»، لم يكن السؤال موجّهًا إلى حادثة بعينها، بقدر ما كان موجّهًا إلى ثقافة كاملة في إدارة السلامة داخل مواقع الترفيه والمهرجانات. واليوم، بعد حادث سقوط لعبة ترفيهية في أحد مهرجانات أبها، تعود الأسئلة ذاتها، لكنها لا تعود بوصفها ترفًا صحفيًا أو قلقًا عابرًا، بل بوصفها ضرورة لا تحتمل التأجيل.

البيان الصادر عن إمارة منطقة عسير جاء مهمًا في لحظته، إذ أكد مباشرة الجهات المختصة للحادث، وتقديم الرعاية الطبية للمصابين، وفتح التحقيق لمعرفة الأسباب، مع التحذير من تداول الشائعات واستقاء المعلومات من مصادرها الرسمية. وهذا واجب في مثل هذه الحوادث، فالفوضى المعلوماتية لا تقل خطرًا عن الحادث نفسه، خصوصًا حين تتحول منصات التواصل إلى ساحة للتخمين والتهويل وتبادل المقاطع بلا تحقق.

لكن السؤال الأهم لا يبدأ بعد السقوط، بل قبله: كيف وصلت اللعبة إلى مرحلة الخطر؟ ومن فحصها؟ ومن منحها تصريح التشغيل؟ ومتى كانت آخر صيانة موثقة لها؟ وهل توجد جهة رقابية مستقلة تراجع الألعاب قبل التشغيل اليومي، لا قبل افتتاح الموسم فقط؟ وهل يملك المشغّل سجلات صيانة واضحة، أم أن السلامة تُدار أحيانًا بالثقة والاعتياد؟


الترفيه اليوم لم يعد نشاطًا هامشيًا. لقد أصبح صناعة كبرى، وجزءًا من جودة الحياة، ومصدرًا اقتصاديًا وسياحيًا مهمًا. ولذلك فإن نمو هذه الصناعة يجب أن يوازيه نمو في معايير السلامة، لا أن تظل الرقابة تتحرك بعد وقوع الضرر. فالعائلة التي تذهب إلى مهرجان لا تفكر في المخاطر الهندسية، ولا تسأل عن عمر اللعبة أو قوة تثبيتها أو سجل صيانتها؛ هي تذهب مطمئنة إلى أن هناك نظامًا يحميها قبل أن تشتري التذكرة.

ما نحتاجه ليس بيانًا بعد كل حادث، بل منظومة معلنة قبل كل موسم: شهادة صلاحية لكل لعبة، فحص يومي موثق، إيقاف فوري عند أي خلل، تأمين واضح، تدريب إلزامي للعاملين، وسجل رقابي يمكن الرجوع إليه عند المساءلة. كما نحتاج إلى إعلان نتائج التحقيق للرأي العام، لا بدافع التشهير، بل لبناء الثقة ومنع تكرار الخطأ.

ومن المهم أيضًا ألا تنتهي التحقيقات بإعلان السبب فقط، بل أن تتحول نتائجها إلى إجراءات تصحيحية تُعمَّم على جميع مدن الترفيه والمهرجانات في المملكة. فالحوادث، مهما كانت نادرة، يجب أن تصبح فرصةً لمراجعة الأنظمة، ورفع معايير السلامة، والاستفادة من الدروس المستخلصة، حتى لا يتكرر الخطأ ذاته في مدينة أخرى أو في ظروف مماثلة.

الأطفال لا يعرفون معنى «الإجراءات النظامية»، لكنهم يعرفون الخوف حين تتحول لحظة الفرح إلى صراخ. والآباء لا يطلبون المستحيل؛ يطلبون فقط أن تكون الألعاب التي تحمل أبناءهم آمنة، وأن تكون الرقابة أسرع من الحادث، لا لاحقة له.

حادثة أبها يجب ألا تمر كخبر ساخن ثم يبرد. فكل سقوط لعبة هو سقوط في ثقة الناس إذا لم يعقبه إصلاح واضح. والأسئلة الصعبة التي طرحت بالأمس لا تزال واقفة اليوم، تنتظر جوابًا لا من الكلمات، بل من الأنظمة والرقابة والمحاسبة.

والآباء لا يطلبون المستحيل؛ يطلبون فقط أن تكون الألعاب التي تحمل أبناءهم آمنة، وأن تكون الرقابة أسرع من الحادث، لا لاحقة له.