ولم تعد القذائف وحدها مهدداً للأرواح، بل بات العطش والمرض يحصدان الأنفس في صمت داخل المنازل ومراكز النزوح المكتظة.
في عمق العاصمة، وتحديداً في منطقة أم درمان، يعيش مئات الآلاف من السكان في وضع مأساوي عقب الإعلان الرسمي عن توقف محطة مياه الصالحة الحيوية بجنوب المدينة.
وجاء هذا التوقف الصادم نتيجة انخفاض حاد وغير معتاد في منسوب مياه النيل الأزرق، مما جعل سحب المياه مستحيلاً عبر المضخات الأساسية.
واضطر المواطنون، في ظل انقطاع الإمداد، إلى خوض رحلات محفوفة بالمخاطر بحثاً عن آبار جوفية غير معقمة أو الاعتماد على عربات توزيع المياه التي تضاعفت أسعارها بشكل جنوني، مما يثقل كاهل الأسر التي تعيش بلا دخل منذ أشهر.
شبح الكوليرا يتمدد في ولايات الغرب
بالتوازي مع أزمة المياه، يدق القطاع الصحي المتهالك ناقوس الخطر بعد تسجيل موجات جديدة ومقلقة من تفشي وباء الكوليرا. وامتدت رقعة الوباء لتضرب ولايات دارفور وكردفان بشدة، مخلّفة عشرات الوفيات في مدن نيالا وكاس وغرب كردفان.
ويحدث هذا التدهور المخيف وسط غياب شبه كامل للكوادر الطبية والمستلزمات العلاجية الأساسية، بعد أن خرجت معظم المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة جراء القصف المباشر أو نقص الوقود والمستهلكات الطبية.
أزمة سوء التغذية الحاد
ولا تتوقف المأساة عند حدود الأمراض، بل تمتد لتضرب الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. إذ تشير أحدث التقارير الصادرة عن المنظمات الأممية إلى أن أكثر من 825 ألف طفل سوداني دون سن الخامسة يواجهون حالياً خطر الموت الفعلي وسوء التغذية الحاد والوخيم.
وحذرت وكالات الإغاثة من أن استمرار إغلاق الممرات الإنسانية وصعوبة إيصال الشحنات الغذائية سيقود إلى كارثة جماعية لا يمكن تداركها بحلول نهاية العام الحالي، مشددة على ضرورة فتح مسارات آمنة وفورية لعبور المساعدات.
جمود المسار الدبلوماسي
على الصعيد الميداني والدبلوماسي، لا تزال الآمال بالانفراج معلقة بين المبادرات الدولية والتعنت الميداني. فرغم تداول مقترحات حول هدنة إنسانية برعاية أمريكية تمتد لـ90 يوماً تهدف لإنقاذ الوضع المدني، إلا أن الشروط المتبادلة والاشتباكات المستمرة تؤجل تطبيقها على أرض الواقع.
ومع فرض الاتحاد الأوروبي مؤخراً حظراً شاملاً على الذهب السوداني لتجفيف منابع تمويل الحرب، يرى مراقبون أن الضغط الدولي يجب أن يتجه فوراً نحو حماية المدنيين ووقف التدهور البيئي والصحي الذي يعصف بالسكان.
إن المشهد الإنساني في السودان اليوم لم يعد يحتمل صيغ القلق والانتظار، فالبلاد تنزلق بسرعة نحو مجاعة حقيقية وانهيار صحي شامل يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لإنقاذ ملايين الأرواح المعلقة بين نيران المدافع وحصار العطش والمرض.
وضع إنساني مأساوي في السودان
- توقف محطة «الصالحة» بأم درمان يُهدد الملايين بالعطش.
- تفشٍ متزايد للكوليرا وحالات وفاة بدارفور وكردفان.
- خطر المجاعة يهدد 825 ألف طفل.
- تعثر الهدنة الأمريكية (90 يوماً) بسبب شروط الانسحاب.
- الاتحاد الأوروبي يحظر الذهب السوداني لتجفيف تمويل الحرب.
- الجيش يسقط مسيّرة استراتيجية ثالثة هذا الشهر بالأبيض.