ربما ساقني هذا الصيف اليك يا باحة العز لأسمع شكواك فخلال إجازتي الصيفية، وبينما كنت أتجول بين عدداً من الحيازات الزراعية وما تحتوية من محاصيل وممارسات زراعية مختلفة شُعرت أن وراء هذا قصة أخرى تستحق أن تروى فكلما إنتقلت من حيازة الى أخرى ومن مدرج زراعي لآخر وجدتك تتألمين وتستنزفين بصمت تربة ترهقها الزراعات الموسمية المكثفة ومدرجات عريقة تتعرض لضغوط تهدد إستدامتها ومشهد بيئي يدعو الى التأمل والوقوف عنده حفاظاً على إرث الباحة الزراعي والبيئي. لذا يبرز اليوم سؤال: هل ما زالت هذه الأرض تُزرع بطريقة تحافظ على خصوبتها وتعظم قيمتها الاقتصادية، أم أن بعض الممارسات الزراعية الحديثة تستنزف مواردها وتسرق مستقبلها في صمت؟ لم يعد الأمر يقتصر على الإنتاج فحسب، بل يتعلق بكيفية إدارة الأرض والحفاظ على تراث زراعي يمثل أحد أهم مكونات الأمن الغذائي في المملكة.
مع تسارع وتيرة تحقيق أهداف المملكة في تعزيز الأمن الغذائي، تحقيق الإستدامة البيئية، وتنويع الإقتصاد الوطني في إطار رؤية المملكة 2030، تبرز تحديات محلية قد تبدو ظاهرياً قضايا زراعية محدودة، لكنها في الواقع تؤثر على موارد إستراتيجية وأصول تنموية تراكمت على مر القرون. من أبرز هذه التحديات التوسع في الممارسات الزراعية قصيرة الأجل في بعض الأراضي الزراعية بمنطقة الباحة. وتعتمد هذه الممارسات على الزراعة المكثفة لعدد محدود من المحاصيل النقدية لتحقيق عوائد سريعة، على حساب إستدامة التربة والموارد الطبيعية. ولا ترتبط هذه المشكلة بمحصول معين، كالطماطم أو غيرها من المحاصيل سريعة الإنتاج، أو بهوية أو جنسية القائمين على إدارة النشاط الزراعي. بل ترتبط بنموذج إقتصادي يسمح، في بعض الحالات، بتحقيق أقصى عائد ممكن من الأرض في فترة وجيزة، مع تأجيل التكاليف البيئية والاقتصادية إلى المستقبل.
لا تنشأ هذه الظاهرة من فراغ، بل ترتبط بعدد من العوامل الإقتصادية والتنظيمية. فالطلب المرتفع على بعض المحاصيل النقدية وسهولة تسويقها مقارنة بغيرها يدفع بعض العمالة الوافدة التي تعمل بتشغيل المزارع إلى التركيز عليها بشكل مكثف. علاوة على ذلك، ساهمت رغبة بعض مُلّاك الأراضي في تحقيق دخل ثابت من خلال تأجير الأراضي الزراعية في إنتشار عقود الإستثمار قصيرة الأجل التي غالباً ما تفتقر إلى الإستثمار طويل الأجل في تحسين التربة أو الحفاظ على خصوبتها. في هذا السياق، تُصبح الأراضي الزراعية أحياناً مصدراً للأرباح الموسمية السريعة، بدلاً من أن تُعامل كأصل إنتاجي وتنموي يجب الحفاظ على إنتاجيته لعقود. ويربط الخطاب العام أحياناً هذه الظاهرة بوجود عماله وافده يُديرون بعض الأنشطة الزراعية المؤجرة، لكن جوهر المشكلة يتجاوز الأفراد العاملين في الزراعة إلى طبيعة نموذج الإستثمار نفسه. وتنشأ المشكلة عند غياب الضوابط التي تضمن الحفاظ على خصوبة التربة وإستدامة مواردها، بغض النظر عن جنسية المستثمر أو مُشغّل المزرعة.
الباحة... أكثر من مجرد منطقة زراعية
إنها أحد أهم النظم الزراعية الجبلية في المملكة، وتتميز بمدرجاتها الزراعية. على مرّ مئات السنين، شكّلت نموذجاً فريداً للتكيف مع الطبيعة وإدارة الموارد المحدودة. لم تكن هذه المدرجات مجرد وسيلة للإنتاج الزراعي، بل كانت نظاماً حضارياً متكاملاً حافظ على التربة، المياه والتنوع البيولوجي، مساهماً في إستقرار المجتمعات المحلية وتعزيز الأمن الغذائي. تكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الباحة، نظراً لعدم إمتلاكها مساحات زراعية شاسعة قابلة للتوسع الأفقي، كما هو الحال في بعض المناطق الأخرى. علاوة على ذلك، تعتمد الباحة على نظام من المدرجات الجبلية والوديان الزراعية، وهو مورد محدود ونادر يصعب تعويضه في حال تدهوره. كما تتميز بتنوع زراعي إستثنائي، يشمل الرمان، العنب، التين، الخوخ، اللوز، البن والفواكه الموسمية. يمنح هذا التنوع الباحة ميزة تنافسية حقيقية، ويعزز قدرتها على إنتاج منتجات زراعية عالية القيمة وربطها بالسياحة الريفية والصناعات الغذائية المحلية. لذا، فإن التحول من نموذج زراعي متنوع إلى نموذج زراعة أحادية مكثفة لا يمثل مجرد تغيير في نوع المحصول، بل تحولاً في فلسفة إدارة الموارد الزراعية نفسها.
من الإستثمار الزراعي إلى إستنزاف الموارد
في كثير من الأحيان، تُؤجَّر الأراضي الزراعية بعقود قصيرة الأجل لمُشغِّلين يركزون على تحقيق أقصى عائد ممكن خلال فترة زمنية محدودة. ويتحول التركيز إلى زيادة الإنتاج بأسرع ما يمكن من خلال زراعة المحصول نفسه موسماً بعد موسم. إن أولئك الذين يستفيدون من الأرباح السريعة لا يتحملون التكلفة الكاملة لإستنزاف الموارد الطبيعية التي يعتمد عليها إنتاجهم. يتحقق العائد اليوم، بينما تظهر آثار الإستنزاف بعد سنوات في صورة إنخفاض الخصوبة، إرتفاع تكاليف الإنتاج، وتراجع جودة الموارد الزراعية. لذا لا تكمن المشكلة في الإستثمار الزراعي نفسه، بل في اختلال التوازن بين الربحية والاستدامة.
الخسارة الصامتة للتربة
التربة الزراعية ليست مجرد وسط لنمو النباتات؛ إنها نظام بيئي حيوي مُعقَّد تطوَّر على مدى عقود. عند زراعة المحصول نفسه بشكل متكرر، تستنزف العناصر الغذائية الأساسية تدريجياً، فيزداد الإعتماد على الأسمدة الكيميائية للحفاظ على مستويات الإنتاج. ومع مرور الوقت، قد يؤدي إستمرار هذه الممارسات دون إدارة مستدامة إلى إنخفاض المادة العضوية في التربة وتراجع قدرتها على الإحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية. كما تتأثر الكائنات الحية الدقيقة المفيدة، التي تُعد من أهم عوامل الخصوبة. قد لا تكون هذه التغيرات ملحوظة خلال موسم أو موسمين، لكنها تتراكم ببطء حتى تُصبح مشكلة هيكلية تتطلب سنوات من المعالجة والتأهيل. في منطقة كالباحة، التي تعتمد على المدرجات الزراعية التاريخية، لا يعني تدهور التربة إنخفاضاً في الإنتاج الزراعي فحسب، بل تهديداً لنظام بيئي وثقافي متكامل شكّل جزءً من هوية المنطقة لأجيال.
فقدان التنوع قبل فقدان الإنتاج
لا تقتصر آثار الزراعة الأحادية على التربة وحدها، بل تمتد لتشمل النظام البيئي بأكمله. فمع إنخفاض عدد وأنواع النباتات المزروعة، تتناقص أعداد الحشرات النافعة والملقحات والكائنات الحية الدقيقة المرتبطة بالأنظمة الزراعية المتنوعة. وزيد تكرار زراعة المحاصيل نفسها من إحتمالية إنتشار الآفات والأمراض المتخصصة، مما يزيد بدوره من الإعتماد على المبيدات الحشرية ويفاقم الضغوط البيئية طويلة الأمد. والأخطر من ذلك هو أن التوسع في عدد محدود من المحاصيل التجارية قد يؤدي إلى تراجع زراعة الأصناف المحلية التقليدية، وبالتالي فقدان جزء من الثروة الزراعية التي تمثل رصيداً استراتيجياً للأمن الغذائي وقدرة الزراعة على التكيف مع تغيرات المناخ في المستقبل.
هل نُنتج أكثر أم نُحقق قيمة أكبر؟
من أكثر الأخطاء شيوعاً في تقييم الأداء الزراعي التركيز فقط على حجم الإنتاج. فالسؤال التنموي الحقيقي ليس: كم طناً يُمكن أن تُنتج الباحة من محصول مُعين؟ بل هو: ما القيمة الإقتصادية والإجتماعية والبيئية التي يُمكن أن تُولدها الموارد الزراعية في الباحة؟ يُمكن استخدام هكتار واحد من الأرض لإنتاج محصول سريع العائد، أو يُمكن أن يكون جزءً من نظام إقتصادي مُتكامل يشمل منتجات زراعية مُتخصصة، صناعات تحويلية، سياحة ريفية، علامات تجارية محلية، وفرص عمل مُستدامة لأهالي المنطقة. من هذا المنظور، لا يُعد التنويع الزراعي ترفاً بيئياً، بل إستراتيجية تنموية طويلة الأجل تُزيد من القيمة المُضافة للموارد المحلية وتُعزز القدرة التنافسية للمنطقة.
أمن غذائي وإستدامة موارد
الباحة تُمثل جزءً من نظام الأمن الغذائي الوطني. تستثمر المملكة حالياً في بناء قطاع زراعي أكثر كفاءة وإستدامة، وتسعى جاهدة لحماية مواردها الطبيعية وتحسين إنتاجيتها على المدى البعيد. لذلك فحماية الأراضي الزراعية من الإستنزاف مسؤولية وطنية ترتبط بالحفاظ على الموارد الطبيعية، خفض تكاليف إعادة التأهيل المستقبلية، وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على مواجهة التحديات البيئية والاقتصادية. إن تكلفة الحفاظ على التربة اليوم أقل بكثير من تكلفة اعادة تأهيلها غداً، وحماية التنوع الزراعي أكثر جدوى من محاولة إستعادته بعد فقدانه. فالإستثمار الذكي يبدأ بحماية الموارد. قد يبدو العائد السريع مغرياً على المدى القصير، ولكنه لا يُشكّل أساساً للتنمية المستدامة. لا يُقاس الإستثمار الحقيقي بما تُنتجه الأرض في موسم واحد، بل بقدرتها على الإنتاج لعقود. علاوة على ذلك، يُضعف إستنزاف الموارد الزراعية جاذبية المنطقة للإستثمارات الزراعية طويلة الأجل وعالية الجودة. يسعى المستثمرون الجادون إلى موارد مستقرة ومستدامة قادرة على إنتاج منتجات عالية الجودة، بينما تزيد الممارسات المُستنزفة من المخاطر وتُقلل من القدرة التنافسية للقطاع الزراعي في المستقبل. لذا، ينبغي أن يقوم مستقبل الزراعة في الباحة على تشجيع تناوب المحاصيل، تنظيم الإستثمار في الأراضي الزراعية، تعزيز خدمات الإرشاد الزراعي، ربط عقود الإيجار بممارسات تحافظ على خصوبة التربة، ودعم المحاصيل ذات القيمة المضافة. إن السؤال الذي يواجه الباحة اليوم ليس ما إذا كانت ستنتج المزيد من محصول معين، بل ما هو نموذج التنمية الذي ترغب في بنائه لمستقبلها الزراعي. هل ستتحول لمنطقة ذات إنتاج موسمي سريع العائد، أم إلى نموذج وطني للزراعة الجبلية المستدامة والمنتجات عالية القيمة؟ ستحدد الإجابة على هذا السؤال مستقبل أحد أهم الأصول التنموية والبيئية في المنطقة.
لا ينبغي إدارة أرض إستغرقت قروناً لزراعتها بعقلية موسمية، لأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بحجم الأرباح المؤقتة، بل بقدرة الموارد على الإستمرار وتوفير إحتياجات الأجيال القادمة.