حافظت القبيلة على جوانب مشرقة ضاربة بجذورها في التاريخ، تجسدت في التكافل،الكرم، التسامح، التعاون، والكثير من العادات الأصيلة، وما زالت بإنسانيتها وقيمها كالأغصان مورقة خضراء.

ومن الطبيعي أن ترتقي رسالتها المؤثرة اليوم، كمكون اجتماعي، بما يتماشى مع العصر الذي نعيشه، من خلال نبذ التقاليد البالية التي لا تتفق مع المنطق.

كما قال ابن الجوزي: «في التقليد إبطال لمنفعة العقل، لأن العقل إنما خُلق للتأمل والتدبر، وتتبع أعمال الخير».


ومن الجور وعدم الإنصاف، ترسيخ الانطباع لدى المجتمع أن اهتمامات مشايخ القبائل والنواب تنحصر فقط في " معالجة قضايا الصلح والعفو". ولا يختلف اثنان على أن العفو، من شيم العرب، وطبع الأنقياء ممن رزقهم الله الأناة، يبتغون فضلا من الله ورضوانه، وقد وصفه الإمام علي بن أبي طالب ــ كرم الله وجهه ــ بأنه تاج المكارم وزكاة القُدّرَة.

ولست بصدد الحديث عن هذا الموضوع الذي أشبعه بحثا أصحاب الفضيلة، الكُتاب، خطباء المساجد، وأطياف المجتمع، خاصة المبالغة في جمع الديات، وما يصاحبها من تجمعات بأعداد كبيرة، واستقبالات ودمات وعرضات، تؤدي إلى خدش صور معاني التكافل والتعاون.

وبلادنا تشهد ــ ولله الحمد ــ نقلة نوعية كبيرة في المجالات كافة، فمن الطبيعي، تطور القبيلة، بتفعيل الإدارة الرقمية، وتحفيز أجيالنا الصاعدة على المشاركة الفاعلة في برامج التنمية والسياحة، وتعزيز السلم المجتمعي، واستلهام تاريخ بلادنا المشرق، وحضورها المُشَرف على مستوى العالم، والدور الذي تضطلع به لخدمة المسلمين كافة..

ويُحسب لشيخ شمل قبائل بني مغيد وبني نمار علي بن سعد آل مفرح، طرحه حزمة من الأفكار الرائدة، ومن أهمها مشروع مبادرة ميثاق شرف بين جميع مشايخ ونواب قبائل منطقة عسير قبل ثلاثة أعوام، للحد من ظاهرة المغالاة في مبالغ الصلح مقابل العفو من القصاص في قضايا القتل العمد.

ونصت بنودها على عدم الشروع في أي شفاعة إلا بموافقة إمارة منطقة عسير، وأن تنطبق على القضية ضوابط الشفاعة، وتحديد مبلغ الدية ما بين نصف مليون إلى مليون ريال، وعدم السماح لأي وسيلة إعلامية، أو منصة تواصل الترويج واستفزاز مشاعر المجتمع من أجل جمع التبرعات، وإثارة النعرات على أن يتم إيداع ما تم جمعه في الحساب البنكي للدية، وعدم قبول تبرعات نقدية.

وأعتقد أن الالتزام بما ورد في الاتفاق الذي تم التوقيع عليه سيخفف الأعباء على الناس، ويقضي على بعض الظواهر المزعجة، ويُسرع تنفيذ أفكار اجتماعية رائدة، وفي مقدمتها تشجيع الشباب على الزواج بتحديد المهور على مستوى المنطقة، والاكتفاء بحفل عائلي بعيدًا عن المباهاة والتكاليف الباهظة، وتشجيع وتكريم المميزين والمبدعين، والاحتفاء بكل من يتقدم بمقترحات ودراسات علمية وعملية طموحة لخدمة وطننا العظيم.

وأجزم أن تلك المبادرة الجليلة من شيخ جليل، تُعطي الفرصة للجميع، لمد جسور التواصل، ودراسة بعض الظواهر الاجتماعية الطارئة من خلال عمل مؤسسي متقن، بالتعاون مع جامعة الملك خالد ومراكز البحوث الاجتماعية، والمثقفين، وأصحاب الخبرة من كبار المواطنين، إضافة إلى معرفة ما يمكن تقديمه من خدمات، وضخ المزيد من الفعاليات الملهمة، وتبادل المعلومات في النواحي التاريخية، التراثية، البيئية.

وقد يكون من المناسب أن أوجه السؤال إلى مشايخ القبائل والنواب في عسير: هل يُمّكِنكم دراسة فكرة إنشاء مجلس تطوعي، يتم اختيار الأعضاء في حدود 15 عضوًا وعضوة من أبناء وبنات كل قبيلة وعشيرة لمدة عامين، وسيكون له بإذن الله التأثير الإيجابي.

وهذا المقترح سبق وأن طُرح في ندوة نظمها مكتب صحيفة الرياض بأبها قبل ثلاثة عقود بحضور عدد من المسؤولين وبعض المشايخ والإعلاميين.

يقول الأديب والتربوي نائب بلدة رُجال التاريخية بتهامة عسير محمد بن يحيى شبلان «نحن نعيش عصرًا حديثًا في ظل حكومتنا الرشيدة التي جعلت من رؤيتها الطموحة 2030 منطلقًا ومنهجًا للتطوير، إذ صاغت أدوار القبائل والعشائر، من خلال دمج إيجابيات الإرث القبلي في الهوية الوطنية، ووظفت الروابط القبلية كقوة داعمة للمجتمع، وتنميته على مستوى الوطن، وتكريس الوحدة، وتجاوز الانغلاق، والتعصب».

وأكد شبلان، أهمية إطلاق المشايخ ونواب العشائر مبادرات مجتمعية هادفة، تتماشى مع جودة الحياة، وتساير جنبًا إلى جنب التطور الكبير في المملكة الذي انطلق بتوفيق الله نحو مستقبل مشرق، منوهًا بما تشهده منطقة عسير من نقلة نوعية في المشروعات التنموية، والسياحية من أجل الإنسان والمكان، بمتابعة سمو أمير المنطقة وسمو نائبه.