تذكر كتب التاريخ أن وادي الفرع (الواقع جنوب المدينة المنورة) هو أول قرية جلبت التمر إلى مكة المكرمة؛ حيث جُلبت منه «التمرة الفرعية» لتُمِير السيدة هاجر وابنها سيدنا إسماعيل -عليهما السلام- بعد استقرارهما، وكان ذلك قبل تأسيس مكة وقبل وفود قبيلة جرهم إليها.
تؤكد المراجع التاريخية أن زراعة النخيل في الوادي كانت من أهم مقومات الحياة آنذاك، ما جعل المنطقة تحظى بمكانة رفيعة وموغلة في القدم في المصادر الإسلامية.
لعب وادي الفرع دورًا بارزًا في صدر الإسلام؛ حيث وقعت على أرضه غزوة بحران (الفرع)، كما وقعت بجواره غزوتا ودان والمريسيع. وبذلك أصبح الوادي من المواقع المحورية المرتبطة بالسيرة المكانية للرسول ﷺ، ما جعل مؤرخي السيرة يتفقدونه ويدونونه في كتبهم.
تضم قرية المضيق (إحدى قرى وادي الفرع) مساجد ومعالم ارتبطت بالرسول ﷺ، ومنها:
• المسجد الأعلى والمسجد الأسفل: ذكر السمهودي عن الحسن بن زبالة أن رسول الله ﷺ نزل الأكمة من الفرع، فـ«قالَ» (أي نام وقت القيلولة) في مسجدها الأعلى، ثم راح فصلى الظهر في المسجد الأسفل من الأكمة، ثم استقبل الفرع فبرك فيها (دعا لها بالبركة).
• شغف الصحابة بالأثر: لا تزال آثار تلك المواقع موجودة في أرض المضيق تحيط بها الجبال التي حمتها من الزوال. وقد كان الصحابي الجليل عبدالله بن عمر، رضي الله عنهما، ينزل المسجد الأعلى فيقيل فيه، ويرفض الفراش الذي يأتيه به نساء أسلم قائلا: «لا، حتى أضع جنبي حيث وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنبه»، وكان يفعل ذلك أيضًا ابنه سالم بن عبدالله، مما يظهر عمق محبتهم لآثار النبي ﷺ.
الماء.. أصل الحكاية
عند الحديث عن الماء في وادي الفرع، نجد أنه أصل الحكاية كلها؛ فلم يكن مجرد مورد طبيعي، بل كان الصانع الحقيقي لأهمية الوادي ومكانته.
«إن العيون الثجاجة العذبة والوفرة المائية هي التي شكلت القرى، ونمت الزراعة، واستقرت الحياة؛ ومنها استمد الوادي دوره التاريخي بوصفه محطة رئيسية على طرق القوافل القادمة من الشام نحو الحجاز».
تمور وادي الفرع: جودة متوارثة وأصناف متنوعة
يحمل الوادي إرثًا زراعيًا عريقًا كونه من أوائل مناطق الحجاز التي أمدت القوافل بالتمور. وتتنوع تمور الوادي بين الأصناف التاريخية القديمة والحديثة:
تمور وادي الفرع القديمة (التاريخية)
المشوك (التمر المفضل قديمًا الذي يُعمل «مجاليد»)
المتلبن، البرني، اللبان
العكوز، القرن، الحلية
ويعمل منها التمرة المحشية
تمور وادي الفرع الحديثة (المستحدثة)
العجوة الروثانة
الربيعة
الحلوة، الصفاوي وغيرها.
وبصراحة، فإن إنتاج المضيق من التمور في هذا العام كان من أفضل وأجود ما شاهدته يُسوق في المنطقة بأكملها.
مناشدة ومطلب: مهرجان سنوي لتمور وادي الفرع
أختم هذا المقال بأمل يحدو جميع أهالي المنطقة، ومطلب نرفعه إلى المسؤولين الكرام:
استحداث مهرجان سنوي للتمور في وادي الفرع، ليكون منصة رسمية تتيح للأهالي والمزارعين عرض وتسويق منتجاتهم الفريدة أسوة بالمناطق الأخرى، وبما يتوافق مع رؤية المملكة في دعم المنتجات المحلية والزراعية.