في أيام لاحقة، وخلال زيارة الملك فيصل القاهرة، أراد جمال عبدالناصر أن يلطّف الأجواء بين ضيفه، والصحفي محمد حسنين هيكل، فقال للملك فيصل: "أعرّفك على الصحفي صاحب اللسان الطويل محمد حسنين هيكل" ، وكان هيكل قد أمضى فترة يهاجم فيها السعودية بتوجيه من عبدالناصر نفسه. حينها ردّ الملك فيصل: "لا أعرفه"...!!
هذه القصة التي يرويها اللواء عبدالرحمن الصقير لمحمد الخميسي في برنامج "وينك" ، تكشف جانباً مهماً من المنهجية السعودية في التعامل مع المسيئين لها: لا تعطي قيمة لهم بالتفاعل مع إساءاتهم، ولا تنظر إليهم كأنداد بالاشتباك المستمر معهم.
عقود طويلة من الزمن، ظهرت فيها مجلات وفضائيات وصحف ومنصات عربية وأجنبية جعلت من معاداة السعودية أو ابتزازها مشروعاً لها، وتكسّبت من التشويه والتحريض وبناء سرديات عدائية ضد المملكة.
ومع ذلك، لم تنشئ السعودية في المقابل مؤسسات إعلامية مماثلة، ومخصصة لشتم تلك الدول أو مهاجمة قادتها وشعوبها، مع أنّ مقدّرات السعودية السياسية والمالية والإعلامية، لا تعجز أبداً عن ذلك.
كان الرد السعودي دائماً هو التجاهل، والعمل، والإنجاز، وترك النتائج تتحدث...وعياً بإن تلك الأصوات الحاقدة والمستأجرة، تقتات على ردات الفعل، فلا تملك منابرهم مشروعا ًسوى استفزاز السعودية والسعوديين حتى يمنحوها بالرد أهمية لا تستحقها.
ومن اللافت، والجدير بالتأمل في هذه القصة أن الملك فيصل، رغم تجاوزه الخلاف مع عبدالناصر، إلا أنه لم يستسغ مسامحة هيكل بل اختار تجاهله تماماً، مع أن هجوم هيكل على السعودية لم يكن إلا تنفيذاً لتوجيهات عبدالناصر نفسه، وتملقا له ولنظامه، إلا أن الملك فيصل لم يمنحه أي اعتبار، بل لم يعترف بوجوده..
إنه أشهر صحفي عربي حينها، لكن الفيصل نظر إليه كعبدٍ مأمور، يُقال له اشتم فيشتم ويقال له امدح فيمدح، فليس له من الأمر شيء، وبالتالي: ليس بشيء! والحال سيّان امتدح أم شتم أم عاد معتذراً!
تعبير الملك فيصل، تجاه الإعلامي العربي الأشهر ذلك الوقت: بقوله "لا أعرفه" ، يختصر مدرسة إعلامية سعودية عريقة، في فن إدارة الخصومة وتقييم الخصوم وهزيمتهم.
إنه فن إدارة الرجال في مدرسة الحكام السعوديين الشاملة، فهي أخلاقية وسياسية وإعلامية فذة، قد أدرك مؤسسوها الحكماء أن العدو قد يمسي صديقا مناصرا بالإحسان اليه مهما أساء، بينما يكون التجاهل لا غير، هو الرد الأقسى على كل حاقد مسيء، وأن أكبر عقوبة لتلك الأصوات المأمورة والمستأجرة، أن تُترك تتحدث مع نفسها، من دون أن تمنحها المملكة العربية السعودية، شرف أن تكون على خصومة معها...أو حتى "معرفة" من يكون أصحابها والاعتراف بوجودهم!