لهذا لا تُقرأ الخطابات الصادرة في أوقات الصراع بوصفها سجلات محايدة للوقائع، بل بوصفها نصوصًا تصنع إطارًا لفهم الوقائع نفسها. فكل خطاب لا يكتفي بأن يقول للناس ما حدث، بل يحاول أن يحدد لهم كيف ينبغي أن يفهموا ما حدث، ومن هو الفاعل، ومن هو الضحية، وأين ينبغي أن يتجه التعاطف، وأين ينبغي أن تُرمى سهام الغضب.
في بعض البيانات والتصريحات الصادرة عن جماعة الحوثي خلال الفترات الماضية، تتكرر بصورة لافتة مفردات من قبيل: «العدوان»، و«العمالة»، و«الخيانة»، و«الاستكبار»، و«الطغيان»، و«الوصاية»، و«المؤامرة»، و«الأعداء». كما يظهر في خطابات أخرى ربط مباشر بين المشروعات التنموية والاقتصادية في المملكة ومسار الصراع، وصولًا إلى التشكيك في جدوى رؤية السعودية 2030 وخطط تطوير المشاريع.
هذه المفردات ليست عابرة في تحليل الخطاب؛ فهي تنتمي إلى بنية لغوية تقوم على الاستقطاب الحاد، وإلغاء المساحات الرمادية، وتحويل العالم إلى معسكرين لا ثالث لهما. فالخطاب المؤجج لا يحتاج إلى قارئ يسأل، بل إلى جمهور يغضب، ولا يسعى إلى توسيع دائرة الفهم بقدر ما يسعى إلى تضييقها حول رواية واحدة مكتملة سلفًا.
والمتأمل في الخطابات التعبوية المعاصرة يكتشف سريعًا أن اللغة لا تؤدي فيها وظيفة الوصف وحدها، بل وظيفة الحشد والتعبئة وإعادة ترتيب المشهد أخلاقيًا ونفسيًا. تبدأ هذه الخطابات غالبًا بإطار ديني أو أخلاقي يمنح الرواية شرعية مسبقة، ثم تنتقل إلى ثنائية حادة لا تترك مساحة كبيرة للأسئلة: مظلوم في مواجهة معتد، وخير مطلق في مواجهة شر مطلق، وشعب محاصر في مواجهة عدو دائم.
ومنذ تلك اللحظة لا يعود المتلقي مدعوًا إلى الإنصات إلى الوقائع بقدر ما يُدعى إلى الدخول في حالة وجدانية صيغت بعناية قبل أن يصل إليها بنفسه.
ومن هنا لا تبدأ كثير من الحركات المسلحة بتجنيد الأفراد فقط، بل تبدأ بتجنيد الكلمات. فحين تنجح جماعة ما في احتلال اللغة وتسييسها، يصبح احتلال العقول خطوة تالية أكثر سهولة. عندها لا يبدو الغضب أثرًا جانبيًا للخطاب، بل أحد أهدافه الأساسية؛ إذ كلما ارتفع منسوب الانفعال، تراجعت مساحة التفكير النقدي، واتسعت قابلية الجمهور لتلقي الرواية الواحدة بوصفها الحقيقة كلها.
ولعل أخطر ما في هذا النوع من الخطاب أنه لا ينافس الوقائع، بل ينافس تفسيرها. فهو لا يسأل: ماذا حدث؟ بل يسأل ضمنيًا: كيف أريد للناس أن يشعروا تجاه ما حدث؟ وهنا تتحول اللغة من وسيلة للفهم إلى أداة لإدارة المشاعر العامة وتوجيهها.
ولهذا لا تبدأ كثير من الصراعات بمحاولة السيطرة على الأرض، بل بمحاولة السيطرة على القاموس الذي تُقرأ به تلك الأرض. فالكلمات ليست أوعية محايدة للمعنى، بل أدوات تعيد ترتيب مواقع الفاعلين داخل المشهد: من هو المعتدي، ومن هو الضحية، ومن يمثل الوطن، ومن يقف خارجه. وحين تنجح الرواية في احتكار التسمية، تكون قد قطعت شوطًا طويلًا نحو احتكار التفسير أيضًا.
فالمعركة ليست دائمًا على الوقائع، بل على الأسماء التي تُمنح لهذه الوقائع. والتسمية ليست وصفًا بريئًا، بل اختيار للموقع الأخلاقي والسياسي داخل الحدث. ومن ينجح في تسمية الأشياء، ينجح غالبًا في توجيه الطريقة التي سيتذكرها بها الناس لاحقًا.
وفي زمن المنصات الرقمية أصبحت المسألة أكثر تعقيدًا؛ فاقتصاد الانتباه لا يكافئ الحقيقة دائمًا بقدر ما يكافئ التفاعل، والغضب من أسرع المشاعر قدرة على إنتاج التعليقات والمشاركات وإعادة النشر. ولهذا أصبحت بعض الرسائل تُصاغ لا لتوسيع الفهم، بل لاستفزاز الجمهور ودفعه إلى التفاعل الغاضب، لأن الانفعال السريع أكثر انتشارًا من الفهم البطيء.
في هذا السياق، يصبح التأجيج صناعة لا انفعالًا عابرًا. تُختار الكلمات الحادة بعناية، وتُضخم المظلومية، وتُستدعى المؤامرة، ويُصنع العدو، ثم يُطلب من الجمهور أن يغضب قبل أن يفكر. وما إن ينجح الخطاب في ضبط اتجاه الغضب، حتى يصبح قادرًا على إعادة ترتيب الأولويات وتوجيه الانتباه نحو ما يريد أن يراه الجمهور، لا نحو ما يحتاج إلى فهمه.
ولذلك فإن أخطر ما في الحروب الحديثة أنها لا تتنافس على احتكار الوقائع فحسب، بل على احتكار تفسيرها أيضًا. فالرصاصة قد تصيب جسدًا، أما الرواية فقد تعيد تشكيل وعي جماعة كاملة.
ومن هنا لم يعد الأمن الوطني شأنًا عسكريًا خالصًا، بل أصبح شأنًا معرفيًا ولغويًا أيضًا. فالدول لا تحمي حدودها فقط، بل تحمي كذلك قدرة مجتمعاتها على التمييز بين الخبر والتأطير، وبين المعلومة والتعبئة، وبين الوصف والتحريض، وبين الغضب الطبيعي والغضب المصنوع.
وليس المطلوب من القارئ أن يرفض كل خطاب أو يقبل كل رواية، بل أن يسأل قبل أن يغضب: كيف صيغ هذا النص؟ ولماذا اختيرت هذه المفردات دون غيرها؟ وما الذي أُبرز فيه؟ وما الذي غاب عنه؟ ومن المستفيد من هذا الانفعال؟
هذه الأسئلة لا تلغي الموقف، لكنها تجعله أكثر وعيًا وأقل قابلية للاستدراج.
فحين تصبح اللغة ساحة للقتال، يصبح الوعي خط الدفاع الأول. وحين تتنافس السرديات على احتلال العقول، تصبح القدرة على قراءة الخطاب قبل الانقياد إليه جزءًا من أمن المجتمعات واستقرارها.
ولهذا ربما تبدأ حراسة الأوطان أحيانًا من مكان أقل ضجيجًا مما نظن: من الكلمة نفسها، ومن الطريقة التي نفهم بها الكلمات، قبل أن تسمح لنا الكلمات بأن نفهم العالم من خلالها.