في الوقت الذي تشهد فيه مطارات المملكة العربية السعودية قفزات نوعية في البنية التحتية والخدمات، وتتنافس على احتلال المراتب الأولى عالميًا في جودة التشغيل وتجربة المسافر، لا تزال هناك تفاصيل صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في أثرها على الإنسان وراحته.

ومن أكثر هذه التفاصيل إلحاحًا، طريقة نقل الركاب بين صالات السفر والطائرات، ذهابًا وإيابًا، حيث يعتمد كثير من المطارات، على حافلات لنقل الركاب بين الصالات والطائرات، لكنها في الغالب حافلات صُممت لاستيعاب أكبر عدد من الركاب، دون مواصفات لتوفير راحتهم. فمعظمها يخلو من المقاعد، ولا يجد الراكب أمامه سوى معاليق يتشبث بها حتى يصل إلى الطائرة، باستثناء عدد محدود جدًا من الكراسي لا يكفي إلا لقلة قليلة.

قد يبدو الأمر بسيطًا لمن يتمتع بالشباب واللياقة، لكنه يتحول إلى معاناة حقيقية لكبار السن، والنساء، والأمهات اللواتي يحملن أطفالهن، وذوي الإعاقة، وحتى للمسافر الذي يحمل حقيبة يد أو يعاني من إرهاق السفر. هؤلاء جميعًا يجدون أنفسهم في موقف لا يليق بتجربة سفر يُفترض أنها تبدأ بالراحة والأمان، لا بالبحث عن وسيلة تحفظ التوازن.


ويتكرر المشهد يوميًا بصورة تستدعي التوقف؛ رجلٌ مسن يحاول الثبات مع كل حركة للحافلة، وأم تحمل طفلها بيد وتتعلق بالأخرى، وسيدة تتجنب الاصطدام بالركاب عند انطلاق الحافلة أو توقفها، ومسافر يحمل حقيبته الصغيرة محاولًا ألا يفقد توازنه. أما المقاعد القليلة الموجودة، فلا تكاد تكفي إلا لعدد محدود، بينما يقضي بقية الركاب الرحلة واقفين.

والسؤال الذي يفرض نفسه بكل منطق: لماذا؟

إذا كانت الحافلات ضرورة تشغيلية في بعض المطارات، فلماذا لا تجهز بمقاعد كاملة كما هو الحال في أي وسيلة نقل مخصصة للركاب؟ وهل أصبحت طاقة السعة الاستيعابية مبررًا لتقليص راحة المسافر وربما سلامته؟ وهل من المقبول أن تبدأ أو تنتهي رحلة الإنسان وهو منشغل فقط بمحاولة ألا يسقط؟

قد يقال إن المسافة قصيرة، لكن قصر المسافة لا يلغي حق الراكب في رحلة آمنة ومريحة. فالثواني التي يقضيها كبير السن واقفًا قد تكون مرهقة، والحركة المفاجئة للحافلة قد تعرض أحد الركاب للسقوط أو الإصابة، فضلًا عن الحرج الذي تعيشه كثير من النساء وكبار السن وهم يتشبثون بالمعاليق وسط الازدحام.

جودة الخدمات لا تُقاس بالمباني الضخمة، ولا بالتصاميم المعمارية المبهرة، ولا بالأرقام القياسية وحدها، بل تُقاس أيضًا بتلك التفاصيل التي يشعر بها الإنسان في كل خطوة من رحلته، وأحيانًا يكون مقعد مريح داخل حافلة نقل الركاب أكثر أثرًا في رضا المسافر من أحدث التقنيات وأجمل الصالات.

ويبقى الحل الأمثل هو التوسع، كلما أمكن، في استخدام الجسور المتحركة التي تربط الصالات بالطائرات مباشرة، مع تطوير حافلات النقل الداخلي عندما يكون استخدامها ضروريًا.

لقد اعتدنا في المملكة أن تكون المشروعات الكبرى مصحوبة بثقافة التحسين المستمر، والاستماع إلى الملاحظات، ومعالجة التفاصيل قبل أن تتحول إلى مشكلات. وإعادة النظر في تصميم حافلات نقل الركاب ليست ترفًا، بل خطوة تنسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي جعلت جودة الحياة والارتقاء بالخدمات محورًا أساسيًا للتطوير.

إننا لا نطالب بالمستحيل، ولا ننتقد من أجل النقد، بل ندعو إلى مراجعة آلية نقل الركاب بما ينسجم مع مستوى الطموح الذي وصلت إليه المملكة في قطاع الطيران.

قد تُقاس المطارات بكفاءة التشغيل وعدد الرحلات، لكن المسافر يقيسها بتجربته. فإذا بدأت رحلته واقفًا يبحث عن توازنه، فلن تنجح أفخم الصالات في محو ذلك الانطباع الأول. ولهذا فإن راحة الراكب ليست رفاهية، بل معيار حضاري يعكس جودة الخدمة، ويجسد المكانة التي تستحقها مطارات المملكة.