قبل توقيع العقد، تحظى هذه المنافع باهتمام واسع. تُجرى الدراسات، وتُبنى النماذج المالية، وتُقارن البدائل، وتُحلل المخاطر، وتُقدّر القيمة المتوقعة من المشروع. لكن المشهد يتغير بعد بدء التشغيل، إذ ينتقل التركيز إلى مؤشرات الأداء، ومستويات الخدمة، والتقارير، وخطط المعالجة، والجزاءات عند الإخفاق.
وهذا أمر ضروري لحماية حقوق الجهة الحكومية وضمان التزام الشريك الخاص. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الالتزام بالعقد هو المقياس الوحيد للنجاح.
قد يحقق المشروع مؤشرات أداء مرتفعة، ومع ذلك لا تتحقق المنافع التي كانت السبب في إطلاقه. قد ترتفع الطاقة الاستيعابية دون أن تتحسن إمكانية الوصول إلى الخدمة، وقد تنخفض بعض التكاليف التشغيلية بينما تبقى التكلفة الكلية على الحكومة أعلى من المتوقع، وقد يستمر المشروع لسنوات دون نقل حقيقي للمعرفة أو بناء قدرة مؤسسية مستدامة.
هنا يظهر الفرق بين نجاح العقد ونجاح المشروع. نجاح العقد يعني أن الأطراف أوفت بالتزاماتها وأن الخدمة قُدمت وفق المتطلبات المتفق عليها. أما نجاح المشروع فيعني أن الاستثمار حقق أثرًا ملموسًا يتجاوز حدود العقد إلى المستفيد والقطاع والاقتصاد والمجتمع.
في كثير من المشاريع، تُحدد المنافع بوضوح في دراسة الجدوى والـBusiness Case، لكنها لا تنتقل بالقوة نفسها إلى مرحلة التشغيل. ومع مرور الوقت يصبح العقد هو المرجع الرئيسي للإدارة، بينما تتراجع الأهداف الإستراتيجية التي بُني عليها قرار الاستثمار إلى الخلف.
هنا تأتي أهمية مفهوم تحقيق المنافع أو Benefits Realization. وهو ليس تقريرًا إضافيًا أو مجموعة جديدة من المؤشرات، بل منهج إداري يبدأ منذ تعريف المشروع ويستمر طوال دورة حياته.
إذا كان المشروع يستهدف تحسين جودة خدمة عامة، فيجب تحديد خط الأساس، والنتيجة المستهدفة، والمدة المتوقعة لتحقيقها، وآلية القياس والتدخل عند الانحراف. وإذا كان الهدف تخفيف العبء المالي على الدولة، فيجب متابعة التكلفة الكلية على الحكومة ومقارنتها بالبدائل والافتراضات التي بُني عليها قرار الشراكة.
أما نقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية، فيجب أن يتحولا من أهداف عامة إلى نتائج قابلة للقياس، بمسؤوليات واضحة وخطط زمنية تمتد طوال عمر العقد. فالمسألة ليست في زيادة عدد المؤشرات، بل في ربط ما نقيسه بالسبب الذي من أجله أُطلق المشروع.
وتظهر هنا قضية لا تقل أهمية، وهي ملكية المنافع. ففي المشروع يوجد مدير للمشروع، ومدير للعقد، وجهة مسؤولة عن التشغيل، ولجان للحوكمة والأداء، لكن المسؤولية عن تحقيق المنافع غالبًا ما تكون أقل وضوحًا.
لا يمكن تحميل هذه المسؤولية بالكامل للشريك الخاص، لأن كثيرًا من المنافع يتجاوز نطاق سيطرته. كما لا يمكن أن تكون مسؤولية إدارة العقد وحدها، لأن دورها الأساسي هو إدارة الالتزامات والحقوق والمخاطر والأداء التعاقدي. لذلك تحتاج كل منفعة رئيسية إلى مالك واضح لديه القدرة على المتابعة والتنسيق والتدخل ورفع الانحرافات إلى مستوى الحوكمة المناسب.
قد يكون المشروع ملتزمًا بالعقد، لكن أثره أقل من المتوقع بسبب تغير احتياجات المستفيدين، أو ضعف التكامل بين الجهات، أو تغير السياسات التنظيمية، أو لأن بعض الافتراضات لم تعد صحيحة بعد سنوات من التشغيل. في هذه الحالات، لن تعالج الجزاءات التعاقدية أصل المشكلة.
المطلوب منظومة تميز بين الإخفاق التعاقدي، الذي يُعالج وفق العقد، وبين الانحراف في تحقيق الأثر، الذي يتطلب تدخلًا إداريًا وإستراتيجيًا مختلفًا. ولهذا يجب أن تكون إدارة المنافع جزءًا من حوكمة المشروع طوال دورة حياته: تبدأ من دراسة الجدوى، ثم تُترجم إلى نتائج مستهدفة وخطوط أساس واضحة، ويُحدد مالك لكل منفعة، وتُربط بالمؤشرات التعاقدية والتشغيلية، وتُراجع دوريًا على مستوى الحوكمة.
وتزداد أهمية ذلك في المشاريع التي تمتد لعشرين أو ثلاثين عامًا، حيث تتغير التقنية واحتياجات المستفيدين والأولويات الحكومية والظروف الاقتصادية. لذلك لا يكفي تحديد المنافع عند إعداد دراسة الجدوى ثم افتراض أنها ستتحقق تلقائيًا بمجرد نجاح التنفيذ.
ومع توسع المملكة في برامج التخصيص والشراكة بين القطاعين العام والخاص، تحتاج المرحلة القادمة إلى توسيع مفهوم النجاح. عدد العقود الموقعة مهم، وحجم الاستثمارات المستقطبة مهم، والالتزام بمؤشرات الأداء مهم. لكن القيمة الحقيقية تظهر في خدمة أصبحت أفضل، وتكلفة أكثر كفاءة واستدامة، ومعرفة انتقلت إلى الكفاءات الوطنية، وقدرة مؤسسية بقيت داخل القطاع الحكومي، وأثر اقتصادي واجتماعي يمكن قياسه وإثباته.
بعد عشر سنوات من توقيع العقد، هل نستطيع أن نثبت بالأرقام أن المنافع التي بُني عليها قرار المشروع قد تحققت؟
إذا لم نستطع الإجابة، فقد نكون نجحنا في إدارة العقد، لكننا لم نُكمل مهمة إدارة المشروع. فالتحدي الحقيقي لا يقتصر على توقيع عقود جيدة أو إدارتها بكفاءة، بل في ضمان أن تتحول الوعود التي بدأت على الورق إلى أثر حقيقي ومستدام يمكن قياسه.