ماذا في الأفق؟ حصار طويل لإيران، حرب استنزاف لا تستطيع طهران التهوين منها، وعيد بـ«حرب كبرى» أو «ضربة كبرى». جولات القصف اليومية بدأت تكسّر جسوراً ومرافق وتدمّر بنى تحتية، لكن مع شيء من الضوابط سيُصار إلى التخلّي عنها، وفقاً للمعطيات والمؤشرات. فالخبراء العسكريون أشاروا إلى أن الاستضافة الأمريكية لجزء أساسي من موسم مونديال كرة القدم ربما حدّدت سقفاً للعمليات الحربية، أما وقد اختتم المونديال فإن التصعيد سيتحرّر من الضوابط، إمّا تسريعاً للنتائج أو اختباراً لقدرة إيران وما لديها من أسلحة لم تكشف عنها بعد. وللتذكير، فإن المواقع التي تُستهدف حالياً هي نفسها التي هدّد دونالد ترامب بضربها مطلع نيسان (أبريل)، سعياً إلى الحسم، قبل أن يتراجع ويوافق على وقف إطلاق النار.
بعدما كرّر «الحرس الثوري» الإيراني قصف السفن التجارية في مضيق هرمز رفعت القوات الأمريكية درجة التصعيد، ثم كثّف «الحرس» هجماته على دول الخليج متذرّعاً بالقواعد الأمريكية، ومتجاهلاً أن عدائيته المزمنة والمنفلتة تكرّس الوجود الأمريكي في المنطقة. لذا يُتوقَّع أن يكون التصعيد الآتي أكثر ضراوة مما عُرف سابقاً، وربما تتخلله عمليات برّية في الجزر من دون البقاء فيها لاحتلالها. في «حرب الـ 38 يوماً» كانت هناك تقديرات أمريكية للأضرار ونوعيتها، إلا أنها لم تنعكس على القرار السياسي للجانب الإيراني في مفاوضات إسلام آباد، بل لم يأخذها في اعتباره لدى صياغة بنود «مذكرة التفاهم»، ولا عندما تعجّل تحصيل المكاسب أو فرضها، كما فعل بالنسبة إلى مضيق هرمز. ومع ضرب الأهداف الحيوية والبنى التحتية في إيران ستختلف التقديرات هذه المرّة، ولن يتوقف التصعيد إلى أن تطلب طهران عبر الوسطاء العودة إلى التفاوض، لكن الأرجح أنها لن تفعل. ربما تطلب فقط وقفاً لإطلاق النار لتصطدم بشروط لن تتمكن من قبولها.
لن يتخلّى الإيرانيون عن «ورقة» مضيق هرمز وما داموا أمعنوا في الاعتداءات حتى أقفلوه وأعاد الأمريكيون حصار موانئهم، فما الفائدة من هذه «الورقة»؟ أرادوا خلال التفاوض إظهار أن صمودهم في الحرب رسم «حدوداً» للقوّة الأمريكية، لكن استئناف الحرب يضعهم أمام واقع أن صمودهم سيطيل المواجهة أكثر مما يتحمّلون، خصوصاً مع بروز الانقسامات داخل أطراف النظام والأرجحية لجناح المرشد - «الحرس». تبدو هذه الانقسامات كما لو أنها تعزّز المنحى العقائدي، بل «الانتحاري»، لدى «الحرس»، وباتت السبب المباشر لتعذّر العودة إلى المفاوضات. قد تكون هذه المرّة الأولى التي يقرّ فيها «المجلس الأعلى للأمن القومي» بالغالبية خيارات تفاوضية فيوافق عليها قائده الأعلى - المرشد- قبل أن يدفعه تعنّت «الحرس» إلى رفضها أو يرغمه على ذلك. ومهما أُلبست الخلافات الداخلية لبوساً عقائدياً فإنها تعكس تنافساً على المصالح بين الأجنحة، ويصعب على «البراغماتيين» مواجهة نفوذ التحالف أو التماهي بين المرشد و«الحرس».
التعقيد الحالي في الأزمة أصبح صراع إرادات في حرب يصعب حسمها وربما يستحيل إنهاؤها، والمؤكّد أن الإقحام الأمريكي لإسرائيل مجدداً في العمليات العسكرية يزيدها تعقيداً، كذلك مراهنة إيران على أدوار لميليشياتها اللبنانية (إبقاء الحرب مشتعلة مع إسرائيل) واليمنية (إغلاق باب المندب) وحتى العراقية (تأجيج الانقسام المذهبي لزعزعة الحكومة الجديدة). لكن في كل الأحوال تبقى المعركة حول إيران، ومع إيصادها أبواب التفاوض، وتعطيل أدوار الوسطاء، ومحدودية فاعليتها العسكرية، تعطي إشارات إلى أنها تريد الحرب بالانكفاء ورفض أي حلول لا تلبّي شروطها، وبمفاقمة أزمة الاقتصاد العالمي، وبالتالي محاولة التأثير في الانتخابات الأمريكية النصفية. وكلّها خيارات غير مضمونة النتائج.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أمام خيارات صعبة. بل إنها في حاجة، أكثر من أي يوم مضى، إلى تحالف دولي وإقليمي واسع لم تتنبّه إلى أهميته في الوقت المناسب، ولم تعد الظروف تسمح باستنباطه، على رغم المصلحة الدولية في أن تبقى الملاحة حرّة وآمنة عبر المضيق، وأيضاً حاجة الاستقرار الإقليمي إلى تغيير جذري في إيران، سواء للنظام أو لسلوكه.
* ينشر بالتزامن مع موقع «النهار العربي»