المملكة تشهد توسعًا ضخمًا في المطارات، وتعمل على إنشاء واحد من أكبر المطارات العالمية وهو مطار الملك سلمان الدولي في الرياض، إلى جانب إطلاق طيران الرياض، واستعدادها لاستضافة إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، فضلًا عن النمو المتسارع للقطاع السياحي الذي أصبح أحد أعمدة الاقتصاد السعودي.
كل هذه المشاريع تندرج تحت المظلة الكبرى لـ رؤية السعودية 2030. ودائمًا ما أشبه الرؤية بساعة فاخرة متعددة التروس؛ ساعة أنيقة ودقيقة كأنها باتيك فيليب. ولكي تعمل هذه الساعة بكفاءة، يجب أن يؤدي كل ترس دوره بإتقان كامل. أي خلل أو تأخير في أحد التروس سينعكس على بقية المنظومة ويؤثر في دقة الأداء. وقطاع الطيران بلا شك أحد أهم هذه التروس.
دعونا نتحدث بصراحة بعيدًا عن المجاملات. رغم الإمكانات الكبيرة والدعم الحكومي والمواسم الاستثنائية مثل الحج والعمرة، ظل قطاع الطيران السعودي لسنوات يعاني من التأخر والتعثر مقارنة بمستوى الطموح. كما أن الخطوط السعودية واجهت شكاوى متكررة ولم تتمكن من فرض نفسها كمنافس إقليمي بالقدر الذي يتناسب مع حجم المملكة وإمكاناتها.
وعندما تم إنشاء مطار الملك عبدالعزيز الدولي الجديد في جدة، كانت التوقعات مرتفعة جدًا، لكن النتيجة لم تصل لمستوى الطموح المأمول. وقلنا سابقًا إن بناء الإنسان أهم من بناء الحجر؛ فما جدوى المنشآت الحديثة إذا لم تتغير العقلية الإدارية والتشغيلية التي تديرها؟
حتى التطوير الذي شهدته الخطوط السعودية، رغم بعض التحسن الملحوظ، لا يزال بعيدًا عن مستوى القيادة الإقليمية أو العالمية. ويكفي أن نلاحظ عدم الإبداع وعودة الشعار القديم، وكأنه استعادة لأمجاد أكثر من صناعة مستقبل جديد.
مطار الملك سلمان الدولي من حيث التصميم والحجم والإبداع المعماري، استثنائي على مستوى العالم، ومن المتوقع أن يصبح أيقونة عالمية تليق بالرياض والمملكة. لكن السؤال الأهم ليس: كيف سيبدو المطار؟ بل كيف سيعمل؟
النجاح في قطاع الطيران لا يقاس بجمال المباني أو عدد الطائرات، بل بجودة التشغيل والخدمة وتجربة المسافر. الطيران منظومة متكاملة (Ecosystem) تشمل الكثير وعلى سبيل المثال وليس الحصر:
المطارات، شركات الطيران، الجوازات والأمن، الخدمات الأرضية، النقل والربط بين الصالات، الأنظمة الرقمية، الضيافة وخدمة العملاء، التكامل بين الجهات الحكومية والخاصة.
المسافر لا ينظر إلى كل عنصر بمعزل عن الآخر، بل يقيّم التجربة الكاملة من لحظة الحجز حتى مغادرة المطار.
للأسف، ما زالت هناك ملاحظات متكررة حتى أمر يعتبر بسيطا نسبيا لما هو قادم مثل (مبادلة الصالات)، فالانتقال بين الصالات والمباني حسب ما سمعناه من الكثيرين، أن التجربة لم تكن بالمستوى المأمول! وهي أمور تبدو بسيطة ظاهريًا لكنها تشكل جزءًا أساسيًا من الانطباع العام.
لسنا هنا بصدد إصدار أحكام قطعية أو تعميمات في غياب الإحصاءات الرسمية، لكن ما يقوله عدد كبير من المسافرين يشير إلى أن تجربة بعض الصالات الجديدة لم ترتقِ لمستوى التوقعات، فضلًا عن أن تكون استثنائية كما ينبغي لمطار في دولة تقود تحولًا عالميًا بهذا الحجم.
دخول طيران الرياض يمثل فرصة تاريخية لإعادة رسم صورة الطيران السعودي، خاصة في ظل المنافسة الشرسة مع شركات تمتلك خبرة طويلة وسمعة عالمية راسخة.
لكن من الخطأ الاعتقاد أن شراء طائرات حديثة، أو امتلاك أسطول ضخم يضمن النجاح تلقائيًا. السوق العالمي مليء بشركات تملك طائرات ممتازة لكنها فشلت في بناء تجربة متكاملة.
أنت لا تنافس شركات محلية فحسب، بل تنافس أفضل شركات الطيران بالعالم في المنطقة !. وإذا لم تكن الخدمة متميزة من الألف إلى الياء، فلن تستطيع حجز مكان متقدم في هذا القطاع.
هناك تجارب سابقة لخطوط عملت على واحد من أكثر المسارات ازدحامًا وربحية في العالم، وهو خط الرياض – جدة، ومع ذلك لم تحقق النجاح وفشلت! لأن المشكلة لم تكن في حجم الطلب بل في غياب التكامل بين عناصر المنظومة (الإيكو سيستم).
يظن البعض أن الإعلانات الضخمة والمؤثرين والحملات التسويقية كفيلة بصناعة النجاح. الحقيقة أنها قد تسلط الضوء عليك مؤقتًا، لكنها لا تضمن الاستمرار. المؤثر أو الإعلان يستطيع أن يلفت الانتباه، لكنه لا يستطيع ضمان عودة المسافر مرة أخرى، إذا كانت تجربته غير مرضية.
المسافر القادم من أقصى العالم سيقيّم كل شيء مثل:
«سهولة الحجز، دقة المواعيد، سرعة الإجراءات، جودة الخدمة الأرضية، راحة الصالات، التعامل الإنساني، كفاءة الربط والتنقل، تجربة الوصول والمغادرة»، ثم يقرر: هل سيصبح عميلًا دائمًا أم لن يكرر التجربة؟
حتى المسافر السعودي، رغم اعتزازه بشركات بلاده، لن يستمر في المجاملة إلى ما لا نهاية. ومع الوقت سيختار ما يوفر له الراحة والكفاءة والقيمة الحقيقية. من المهم الاعتراف بأن المسافر السعودي من أكثر المسافرين خبرة في المنطقة والعالم. السعوديون يسافرون بكثرة، يزورون مطارات وشركات طيران عالمية متنوعة، لذلك توقعاتهم مرتفعة جدًا، وهم يقارنون التجربة المحلية بأفضل ما شاهدوه عالميًا، لا بما كان موجودًا قبل عشرين عامًا.
وبناءً على ما سبق، نرى أن الوضع الحالي لقطاع الطيران في المملكة لا يزال دون مستوى الطموحات، ولا يسير حتى الآن بالوتيرة التي تقود إلى النموذج الاستثنائي الذي نحلم به ونسعى إليه ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.
في القضايا الحيوية التي تمس الوطن واقتصاده وصورته أمام العالم، لا مكان للمجاملات أو الاكتفاء بالحلول الشكلية. ومن وجهة نظرنا، المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة شاملة وتغييرًا حقيقيًا في الفكر وفي الدماء والقيادات والكوادر داخل منظومة الطيران، وهذا يشمل الهيئة العامة للطيران المدني، وشركتي مطارات الرياض ومطارات جدة، وإدارة مشروع مطار الملك سلمان الدولي، وكذلك شركة طيران الرياض.
أي تحول استثنائي لا يتحقق إلا بدماء جديدة، وعقليات تشغيلية عالمية، وثقافة أداء ومحاسبة ترتبط بجودة الخدمة وتجربة المسافر ونتائج التشغيل الفعلية. والتغيير الحقيقي يبدأ دائمًا من أعلى الهرم! لأن إصلاح المنظومات الكبرى لا يتم بالشعارات، بل بقيادة جديدة قادرة على اتخاذ قرارات جريئة تصنع الفارق وتواكب حجم الطموح الوطني.
المملكة مقبلة على استحقاقات عالمية ضخمة، وأي قصور في قطاع الطيران سينعكس مباشرة على السياحة والاستثمار والاقتصاد وصورة السعودية أمام العالم.
النقد الصريح في القضايا الوطنية الحيوية ليس تشاؤمًا ولا تقليلًا من الإنجازات، بل حرص على نجاح مشروع وطني استثنائي.
لدينا الإمكانات، لدينا الرؤية، ولدينا مشاريع قادرة على أن تجعل السعودية مركزًا عالميًا للطيران والسياحة والخدمات اللوجستية. لكن النجاح الحقيقي لن يتحقق بالمباني العملاقة وحدها، بل بالإنسان، والإدارة، والتشغيل، وثقافة الخدمة، والتكامل بين جميع عناصر المنظومة.
إذا أردنا أن تكون رؤية 2030 ساعة تعمل بدقة عالمية، علينا ضمان أن «ترس» الطيران يعمل بالكفاءة نفسها التي نطمح إليها لبقية التروس. التاريخ لا يتذكر حجم المشاريع فقط، بل جودة التجربة التي صنعتها تلك المشاريع للناس والعالم.