من هنا تبدو «خرائط هدهد» أكبر من تطبيق يرشد سائقًا ضل طريقه. التطبيق يقول لك: انعطف يمينًا. المشروع يقول شيئًا آخر: هذه بلاد نعرف طرقها بأعيننا، ونكتب تفاصيلها بأيدينا. والفرق كبير بين إرشاد إلى شارع، وإرشاد إلى مستقبل.
في الرياض قد يكون الفرق بين مدخلين دورة كاملة حول الحي. وقد تكون اللفة التي أغفلتها الخريطة العالمية أوضح من اسم الشارع عند أهله. «هدهد» صُنع لهذه التفاصيل: التقاطعات، والمداخل، والتحويلات، والعنوان الوطني، ومسارات المترو، وصورة المكان قبل الوصول إليه. الخريطة العالمية ترى الطريق. الخريطة المحلية تعرفه.
السيادة الرقمية عبارة ثقيلة، وتبدو في بعض المؤتمرات أطول من الوقت المخصص للمتحدث. «هدهد» يختصرها في معنى واضح: أن تمتلك المملكة قدرتها على جمع بياناتها المكانية، وبناء خرائطها، وتحديثها، وتحويلها إلى خدمة يفهمها الناس. فالطريق الذي تسلكه سيارة توصيل هو نفسه معلومة تحتاجها فرق الإسعاف، وبيان تستفيد منه المدينة، وجزء من اقتصاد كامل يتحرك فوق الخريطة.
وعند أول الطريق يجيء اسم فيصل الخميسي. اختار الرجل مع رفاقه المسار الأصعب: بناء التقنية، والبيانات، والفريق من الداخل. كان بوسعه أن يشتري خدمة جاهزة ويضع عليها اسمًا عربيًا لامعًا. اختار أن يصنع الاسم وما تحته. وهذا هو الفارق بين مشروع يملك شعارًا، ومشروع يملك أصلًا تقنيًا.
ومعه متعب القني، شريك الفكرة، وفيصل الحميضي، الرئيس التنفيذي، ثم مهندسون ومطورون ومساحون لا تظهر أسماؤهم على شاشة البداية. لكل واحد منهم سهم في هذه الخريطة. واحد يقرأ الطريق، وآخر يختبره، وثالث يحول تفاصيل الأرض إلى لغة تفهمها الآلة. التطبيق يحمل اسمًا واحدًا. صنعه جمع.
وقد وجدت الفكرة سندها لدى الهيئة العامة للمساحة والمعلومات الجيومكانية والبرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات. الأفكار تحتاج إلى أكثر من الإعجاب. تحتاج إلى بيانات، وبيئة تنظيمية، وتمويل، وثقة تمنح أصحابها وقتًا كافيًا لإثباتها. الإعجاب وحده لا يرسم شارعًا.
في المناخ الذي صنعته رؤية السعودية 2030، اتسع تعريف المشروع الوطني. صار المصنع مشروعًا وطنيًا، والمنصة مشروعًا وطنيًا، والخريطة أيضًا. فالقوة في الاقتصاد الجديد تُقاس بما تنتجه العقول من أدوات، وبما يبقى داخل الوطن من معرفة، وبقدرته على المنافسة في الأسواق التي اعتادت أن يأتيها المنتج من جهة واحدة.
أمام «هدهد» طريق طويل. سيقارنه المستخدم بأكبر تطبيقات الخرائط في العالم، وسيغضب من لفة خاطئة أكثر مما يفرح بخطاب طويل عن السيادة الرقمية. وهذا حقه. المنتج الوطني يستحق فرصة عادلة ومعيارًا عالميًا. وبلاغ صادق عن طريق مغلق أنفع له من صفحة كاملة في المديح. بهذه الملاحظات تكبر الخريطة. وبالدقة تكسب الثقة.
ما فعله فيصل الخميسي ورفاقه أنهم نقلوا السؤال من: أي تطبيق نستخدم؟ إلى: أي تطبيق نستطيع أن نصنع؟ وبين السؤالين مسافة اسمها الطموح الوطني.
في التقنية، كما في الحياة، من يرسم الطريق يشارك في اختيار الوجهة. «هدهد» بدأ بالرسم. والوجهة: سيادة رقمية سعودية.